ما هي مبادرة وثيقة التوافق الوطني؟
هي محاولة جادة ترعاها مجموعة شخصيات وطنية من خلال «الملتقى التشاوري» بقصد الوصول لتوافقات وطنية بين قوى الثورة والمعارضة بمختلف أطيافها وتوجهاتها، تمهّد لعقد مؤتمر وطني تنبثق عنه وثيقة سياسية تصلح لأن تكون أساساً لعقد اجتماعي جديد بين السوريين.
فالهدف النهائي للمبادرة هو الخروج بوثيقة موضوعية تمثل رؤية قوى الثورة والمعارضة لسوريا المستقبل، بعيداً عن التدخلات الخارجية والتجاذبات والرؤى الحزبية الضيقة.
لماذا مبادرة وثيقة التوافق الوطني؟
على الرغم من توافق مختلف القوى المناصرة للثورة السورية على المبادئ والشعارات الأساسية التي قامت لأجلها، والمتمثلة بقيم الحرية والكرامة والعدالة، إلا أنها لم تتمكن خلال السنوات السبع الماضية -على الرغم من المحاولات المتكررة- من إيجاد مشروع سياسي يمثل الثورة ومبادئها، يحظى برضى وقبول عام، على الصعيدين الهيكلي والموضوعي1.
ومن خلال تحليل هذه المحاولات والنتائج المتمخضة عنها:
على الصعيد البنيوي
على الرغم من تعدد محاولات بناء جسم يقود قوى الثورة والمعارضة، إلا أنها لم تنجح وتحقق التكامل، وغلب عليها المحاصصة وحساب المقاعد، الأمر الذي أدى إلى فشلها بشكل مباشر، أو إضعاف فعاليتها على أدنى تقدير.
على الصعيد الموضوعي
كما هو حال الجانب البنيوي، تعددت المشاريع الموضوعية غير أنها افتقدت إلى جانبين؛ الأول: أن غالبيتها كان بناءً على مبادرة خارجية، والثاني: أنها لم تستطع تحقيق التوافق تجاه قضايا شائكة.
من هذا المنطلق، ابتعدت مبادرة وثيقة التوافق الوطني عن الجانب الهيكلي بالكامل، وحاولت البناء على الجهود السابقة في المجال الموضوعي، بحيث تكملها وتحقق قيمة مضافة عليها، تتمثل فيما يلي:
- البعد الوطني: حيث إن القائمين على المبادرة ورعاتها ومنفذيها سوريون، ويهمهم أولاً وأخيراً المصلحة السورية فقط، المتمثلة في تحقيق تطلعات الشعب السوري.
- التركيز على القضايا التي لم تستطع القوى الوصول إلى توافق بخصوصها سابقاً.
- توسيع دائرة المستهدفين بالمبادرة، بحيث حاولت شمول القوى من التوجهات والتخصصات المتعددة.
كيف بُنيت مبادرة وثيقة التوافق الوطني؟
استغرقت المناقشات بين القائمين على المبادرة -الجهة الراعية (الملتقى التشاوري) والجهات التنفيذية (مركز الحوار السوري ومنظمة مدنيون للعدالة والسلام)- ما يقارب أربعة أشهر، تضمنت عدة ورشات عمل واستشارات لخبراء سوريين حول أفضل طريقة يمكن من خلالها نجاح المبادرة والوصول إلى تلك الوثيقة الموضوعية.
لقد أنتجت هذه الورشات والاستشارات عدة محددات أساسية انعكست على منهجية العمل لاحقاً، تتجسد فيما يلي:
المنهجية العلمية
أن يكون بناء التوافقات بناءً على معطيات صحيحة وحقيقية وليس على انطباعات شخصية، لذلك كان لا بد من القيام بدراسة بحثية تضع أساساً معرفياً للمبادرة، وهو ما تم في مرحلة المبادرة الأولى.
الحيادية
اقتصار دور الجهة الراعية للمبادرة مع الجهات التنفيذية على تيسير الحوار وتهيئة البيئة المناسبة لإجرائه فنياً ولوجستياً وموضوعياً، من دون أن يكون لها رأي مباشر في طبيعة التوافقات ومضمونها. لذلك فإن مجمل المخرجات الموضوعية إما استُخلصت من الرؤى السياسية للجهات المستهدفة أو من خلال الزيارات والمقابلات، وبالتالي فإنها تمثل وجهة نظرها وليس وجهة نظر الجهة الراعية للمبادرة، فضلاً عن تمثيل وجهة نظر الجهات التنفيذية.
البناء التراكمي
من خلال استقراء مختلف التجارب السابقة في بناء وثائق وطنية خلال الثورة، كان واضحاً أنه يغلب عليها سمة «التصميم بردود الأفعال»؛ فعندما تقف القوى أمام استحقاقات معينة، تتداعى -وفي الغالب تُدعى- لعقد اجتماعات لأيام محدودة ينتج عنها وثائق محددة، غالباً ما يتم إعدادها من قبل لجنة تحضيرية. ونعتقد أن هذه الطريقة في التصميم هي أحد الأسباب الرئيسة في فشل تلك الوثائق في تحقيق رؤية توافقية حقيقية بين القوى.
لذلك كان الرأي أن بناء مثل هذا المشروع التوافقي، خصوصاً وأنه يتعلق بمستقبل سوريا، يتطلب عملاً تراكمياً وفق مبدأ «الأدنى إلى الأعلى»، أي إجراء حوارات مطولة بين القوى تؤدي تدريجياً إلى إيجاد توافقات حقيقية، وهو ما سعت المبادرة للعمل عليه من خلال الإطار المعرفي والحوارات الثنائية مع القوى والجهات المستهدفة على مدى ثلاث سنوات.
لقد انعكس هذا الأمر على تعدد المراحل التي مرّت بها المبادرة وعلى مدتها، إضافة إلى الأدوات المستخدمة؛ حيث ابتعدت المنهجية المتبعة عن إجراء اجتماعات أو ورشات عمل أو ندوات جماعية بين القوى المستهدفة، للابتعاد قدر المستطاع عن أي إجراء قد يفجّر الخلافات في مرحلة مبكرة تودي بالمبادرة، والاستعاضة عن ذلك بنقاشات وزيارات ثنائية «هادئة» تعطي الجهات المستهدفة أريحية في إبداء آرائها، وتعطي الجهات المنفذة في الوقت ذاته مساحة لتفكيك النقاط الخلافية بين القوى، والوصول إلى صيغ توافقية قبل الوصول إلى مرحلة الحوار الجماعي.
استيعاب مختلف التيارات والتوجهات
بحيث تشمل المبادرة مختلف التيارات والقوى والجهات السورية المنتمية إلى قوى الثورة والمعارضة، بغض النظر عن أعدادها وانتشارها وثقلها.
من هي الجهة الراعية للمبادرة؟
يرعى المبادرة الملتقى التشاوري، وهو عبارة عن تجمع تشاوري «وليس جهة هيكلية»، يضم عدداً من الشخصيات الوطنية السورية، منها:
- د. أنس شيخه
- د. أيمن الشعباني
- د. حسان الصفدي
- أ. حازم لطفي
- أ. حسام الغضيان
- أ. حسن الدغيم
- د. خير الله طالب
- د. سعد وفائي
- أ. صالح محمد فاضل صالح
- د. صلاح النكدلي
- د. عبد الكريم بكار
- أ. عبد الله عثمان
- أ. عزام خانجي
- د. مازن شيخاني
- د. محمد بيرقدار
- د. هشام مروة
- د. ياسر العيتي
من هي الجهات المنفذة للمبادرة؟
استعان الملتقى التشاوري بجهات تقنية فنية لتنفيذ المبادرة، وهي:

مركز الحوار السوري
مؤسسة أهلية سورية تهدف إلى إحياء الحوار وتفعيله حول القضايا التي تهم الشعب السوري، وتسعى إلى توطيد العلاقات وتفعيل التعاون والتنسيق بين السوريين2.

منظمة مدنيون للعدالة والسلام
منظمة مجتمع مدني مستقلة غير ربحية، تُعنى بالتنمية السياسية والقانونية وبناء السلام وتعزيز ثقافة التواصل والحوار لإنضاج الفكر والممارسة السياسية3.
من هي الجهات المستهدفة بالمبادرة؟
تستهدف المبادرة القوى والتيارات السورية بمختلف توجهاتها وأيديولوجياتها المنتمية إلى قوى الثورة والمعارضة. وقد شهدت خارطة هذه القوى تغيراً بحسب المرحلة التي تمت فيها المبادرة نظراً للتغيرات التي تمر بها الساحة السورية4. وبالتالي، فإن كل القوى السورية مدعوّة للمشاركة والمساهمة في هذه المبادرة5.
ما هي مراحل المبادرة وأبرز إنجازاتها؟
مضى على البدء بالمبادرة ما يقارب ثلاث سنوات منذ تداول أفكارها الأساسية، حيث عُقدت أول ورشة عمل بتاريخ 20 ديسمبر 2016، وبُدئ بتنفيذها بشكل فعلي في المرحلة الأولى بتاريخ 1 مارس 2017، وما يزال العمل مستمراً بها في إطار المرحلة الرابعة.
المرحلة الأولى: إعداد الإطار المعرفي
امتدت أربعة أشهر في النصف الأول من عام 2017، وشملت إعداد دراسة بحثية توصيفية استقرائية لمختلف الرؤى السياسية للجهات المستهدفة، إضافة إلى استطلاع رأي لثلاث شرائح (مدنيون عاديون، ناشطون، نخب فكرية)، نُفّذ في الداخل السوري وفي دول اللجوء. خرجت المرحلة بدراسة بحثية وصفية حددت أبرز النقاط التوافقية والإشكالية6 بين رؤى القوى، وباستطلاع رأي أظهرت نتائجه آراء عامة الناس والنخب الفكرية تجاه القضايا المتعلقة بمستقبل سوريا، لتُدمج النتائج في ملخص واحد.
المرحلة الثانية: عرض المبادرة والتأكد من نتائج الإطار المعرفي
تضمنت زيارات فردية إلى القوى والتيارات المستهدفة، بلغت 46 جهة، واستمرت ما يقارب ثلاثة أشهر. تم التأكد من نتائج الدراسة التي تضمنت مواقف القوى وتوجهاتها خصوصاً فيما يتعلق بالمواقف تجاه القضايا الإشكالية، وأُخذ رأي الجهات في خيارات المضي في المبادرة، إضافة إلى أخذ موافقتها على المشاركة فيها.
المرحلة الثالثة: عرض أسئلة تفصيلية حول النقاط الأكثر إشكالية وتحليل الأجوبة
سبقها نقاش مطول بين الجهة الراعية والجهات التنفيذية حول خيارات المضي بالمبادرة، حيث استقر الرأي على الاستمرار بأسلوب «الزيارات الفردية» لتفكيك النقاط الإشكالية من خلال تحليل أجوبة الجهات المستهدفة على أسئلة تفصيلية أُعدّت خصيصاً، وفق منهجية تحمل روح «أسلوب دلفي»7. خرجت المرحلة بمجموعة أجوبة تفصيلية قدمتها الجهات المستهدفة (37 جهة وشخصية وطنية) حول النقاط الأكثر إشكالية، حُلّلت لكي تساعد في تفكيك تلك النقاط وبناء صيغ توافقية من خلال المقترحات المقدمة من الجهات ذاتها.
إلى أين تمضي المبادرة؟
وصلت المبادرة إلى المرحلة الأخيرة وهي عقد مؤتمر وطني يضم طيفاً من الشخصيات الوطنية وقوى الثورة والمعارضة السورية، بهدف الخروج بوثيقة توافقية بين القوى تمثل وجهة نظرها لسوريا المستقبل.
وفي سبيل إنجاح هذا المؤتمر، تم إعداد مسودة أولية لخيارات توافقية بتيسير من الجهة الراعية والجهات التنفيذية، ناتجة عن حوارات غير متزامنة مع شخصيات وطنية تنتمي لتيارات مختلفة.
تمثل الوثائق والدراسات التي عُمل عليها خلال هذه المبادرة مستندات إرشادية تساهم في الوصول إلى تلك الوثيقة من دون أن تكون حاكمة عليها. كما أن وثيقة التوافقات والخيارات التوافقية تجاه النقاط الإشكالية قابلة للتعديل والنقاش والإضافة بحسب ما تقترحه الجهات المدعوة.
إن أعضاء الملتقى التشاوري والجهات المنفذة للمشروع لم ولن يتدخلوا في مخرجات المشروع، على الرغم من أن بعضها لا يوافق توجهات بعض أعضاء هذه الجهات. لكنهم سيبقون حريصين وبكل حيادية على إظهار مشروع التوافق بين السوريين كما هو بدون أي تدخل في مضمونه؛ لأنهم يدركون أن أي تدخل من هذا النوع سيؤدي إلى ضياع التوافق الوطني وانهيار المشروع.
الحواشي
- نقصد بالمشروع الهيكلي: المشاريع السياسية التي كان الهدف منها تشكيل جسم أو هيئة تمثل قوى الثورة والمعارضة، كالمشاريع التي انبثق عنها المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وهيئة المفاوضات العليا. في حين نقصد بالمشروع الموضوعي: المشاريع السياسية التي كان الهدف منها التوافق على رؤى سياسية موضوعية مع احتفاظ القوى والتيارات والأحزاب بهياكلها وتنظيماتها، مثل وثائق القاهرة الأولى والثانية وبيان الرياض 1-2. ↩
- للتعرف على المركز ونشاطاته: sydialogue.org ↩
- للتعرف على نشاطات المنظمة: صفحة «مدنيون» على فيسبوك (civilians.sy). ↩
- على سبيل المثال استهدفت الدراسة البحثية ضمن المرحلة الأولى 62 جهة كعينة تمثل مختلف التوجهات والتيارات الموجودة في الساحة السورية، بينما استهدفت المرحلة الثانية 46 جهة، في حين بلغ المستهدفون في المرحلة الثالثة 39. ↩
- وقد حاول القائمون على المبادرة استيعاب أكبر قدر ممكن من القوى، بما يضمن التنوع الذي يمثل الواقع السوري. ↩
- نقصد بالقضايا التوافقية تلك القضايا التي تتوافق حولها غالبية قوى الثورة والمعارضة أو يسهل الوصول إلى توافق إليها، في حين نقصد بالقضايا الإشكالية تلك القضايا التي يوجد فيها خلاف واضح بين قوى الثورة والمعارضة، والتي تحتاج إلى حوارات معمقة وتنازلات حقيقية من مختلف الأطراف وإعلاء للمصلحة الوطنية للوصول إلى توافق بخصوصها. ومن أصل 49 قضية متعلقة بمستقبل سوريا والمرحلة الانتقالية حُدّدت في الدراسة، ظهر لدينا 39 قضية توافقية أهمها وحدة سوريا وحرمة الدم السوري والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة كالمواطنة والعدالة وتداول السلطة وفصل السلطات...، و10 قضايا إشكالية أهمها قضايا الانتماء وعلاقة الدين بالدولة وشكل إدارة الدولة. ↩
- للاطلاع أكثر على طريقة دلفي ينظر: Lefkothea Giannarou and Efthimios Zervas, Using Delphi technique to build consensus in practice, Int. Journal of Business Science and Applied Management, Volume 9, Issue 2, 2014. ↩