مبادرة وثيقةالتوافق الوطني
  1. الرئيسية
  2. فهرس الموضوعات
  3. المحور الرابع

المحور الرابع- التعامل مع الأقليات

نوضح في هذا المحور كيفية معالجة الخطاب السياسي لقوى الثورة والمعارضة قضية الأقليات خصوصاً الأقلية الكوردية.

أولاً- مراعاة الخصوصيات الثقافية والدينية للأقليات

يُفترض بالدولة نظراً لحساسية وضع الأقليات، كفالة حقوق هذه الفئة في دستورها وذلك درءاً لأية محاولة لبث الفرقة بين مكونات المجتمع، فلكثير من الأقليات علاقاتٌ وامتدادات تتعدى النطاقَ الداخلي للدولة بحكم ارتباطها الإثني واللغوي أو الديني بدول أخرى تماثلها في الصفات ذاتها، مما قد يفسح المجال أمام التدخلات الخارجية بذريعة الدفاع عن الأقليات ويؤدي إلى اشتعال الكثير من النزاعات في الدول المجاورة1.

وغالباً ما تنص -كمبدأ عام- الوثائق السياسية والقانونية2 على المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين في الدولة بغض النظر عن العرق أو اللغة أو الدين وفق «حق المواطنة»، وقد تفرد بعض هذه الوثائق، إضافة إلى ذلك، عدة مواد للحديث عن حقوق الأقليات وخصوصياتها، والتي غالباً ما يشار لها بالحقوق التالية: حماية الوجود وعدم التمييز، حماية الهُوية الخاصة، المشاركة في الحياة العامة واتخاذ القرار3.

أشارت الدساتير السورية المتعاقبة إلى حماية وجود الأقليات وعدم التمييز ضدها من خلال النص على المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات4. أما بالنسبة لحماية الهوية الدينية والثقافية واللغوية؛ فعلى الرغم من وجود اطراد دستوري بالنسبة للحفاظ على التنوع الديني، واحترام الطوائف الدينية5، إلا أننا لا نجد ذلك بالنسبة للهوية الثقافية واللغوية6. وعلى صعيد الحق في المشاركة في الحياة العامة، نصت جميع الدساتير السورية صراحة أو ضمناً إلى مساواة جميع المواطنين وتساوي فرصهم في تبوء المناصب العامة والمشاركة في الحياة السياسية باستثناء منصب رئيس الدولة الذي اشترط في المرشح له أن يكون مسلماً7.

أما على صعيد الرؤى والمواثيق السياسية لقوى الثورة والمعارضة، فقد أشارت غالبيتها إلى مساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات كقاعدة عامة بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق، ما يشير إلى تأييد هذه القوى لحق الأقليات في الوجود وعدم التمييز8. وكذلك نصت على ضرورة اعتراف الدولة بالحقوق الثقافية والدينية للأقليات بصورة مجملة دون التفصيل فيها، ما يدل على تأييدها لمنح هذه الأقليات حقوقها في مجال حرية ممارسة الشعائر الدينية واستخدام لغاتها الخاصة والتعلم بها9.

لذلك، وبعد النظر المجمل والتفصيلي لقضية احترام «حقوق الأقليات» وفق معيار هذه الدراسة يمكن أن نخلص إلى النتائج التالية:

  1. النص المجمل على احترام «حقوق الأقليات» الدينية والثقافية وخصوصياتهم، أمر إشكالي نظراً لعدم وجود سند متواتر له في الدساتير السورية، وإن كان يمثل رأي غالبية قوى الثورة والمعارضة. وهذا الأمر ينطبق على حماية الهوية الثقافية واللغوية للأقليات10.

  2. حماية وجود الأقليات وعدم التمييز تجاهها، وكذلك حقها في ممارسة شعائرها وخصوصياتها الدينية، فضلاً عن حقها في المشاركة في الحياة العامة وتولي المناصب -كقاعدة عامة وباستثناء منصب رئيس الدولة- أمر متوافق عليه.

ثانياً- اللغة الكوردية

ونقصد بذلك أن تكون اللغة الكوردية لغة رسمية في الدولة سواء على مستوى الدولة أو في مناطق الأغلبية الكوردية.

لم تنص الدساتير السورية المتعاقبة على هذه النقطة، باستثناء دستور 2012 الذي لمّح إلى ذلك من خلال إشارته إلى «حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته»11.

على عكس مواقف الدساتير السورية، أيدت غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث، صراحة أو ضمناً12، أن تكون اللغة الكوردية معترفاً بها على الأقل في مناطق تواجدهم، في حين التزمت بعض القوى موقف الصامت13.

على الرغم من وجود تأييد ضمني باعتبار اللغة الكوردية لغة رسمية من غالبية القوى محل الدراسة، إلا أنه لا يمكن البناء عليه في تأكيد هذه القضية، نظراً لأن عبارة «الاعتراف بالحقوق الثقافية والقومية» للأقليات بشكل عام وللكورد بصورة خاصة عبارة عامة تمتلك كل جهة تفسيراً خاصاً بها، خصوصاً في ظل عدم وجود سابقة دستورية في هذا المجال قد تعين في تفسيرها أو في إيجاد صورة عملية سابقة لها.

لذلك وعلى الرغم مما يستشفه المتابع من وجود تأييد سياسي لهذه القضية «اعتبار اللغة الكردية لغة رسمية» في الخطابات والبيانات السياسية، إلا أننا لا يمكن الاستناد إلى مثل هذا التأييد لاعتبارها قضية توافقية، في ظل المعيار الذي وضعته الدراسة وسارت عليه، وبالتالي تعد قضية إشكالية.

ثالثاً- حقوق الكورد الثقافية والقومية

يقصد بذلك الاعتراف بحقوق الكورد الثقافية والقومية والتي من أهمها: حقهم بالاحتفاظ بهويتهم والمحافظة على لغتهم ونشر ثقافتهم ...إلخ.

كما هو الأمر بالنسبة للنقطة السابقة، لم يرد في الدساتير السورية أية إشارة صريحة أو ضمنية حول حقوق الأكراد.

صرحت غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث بتأييدها حقوق الكورد الثقافية والقومية، في وقت أشارت بعضها ضمناً إلى ذلك14، واكتفى بعضها الآخر بالصمت15.

كما هو الأمر بالنسبة للنقطة السابقة، تعد قضية منح الحقوق الثقافية والقومية للكورد نقطة إشكالية وفق معيار الدراسة16.

الحواشي

  1. حقوق الأقليات في الدساتير السورية، مركز سوريا للبحوث والدراسات، 2014/1/11. ↩
  2. ينطبق الأمر على الوثائق الخارجية -إن صح التعبير- كالمواثيق والمعاهدات الدولية. فمن جهة نصت المواثيق العامة والرئيسة على المساواة في الحقوق والواجبات بين البشر ومنع التمييز. حيث نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948م على مادتيه /2-7/ على حق كل إنسان في التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في الإعلان، بصرف النظر عن وضعه، بما في ذلك الأصل الديني والعرقي، وعلى مساواة الناس جميعاً أمام القانون وفي حق التمتع بحمايته من دون تمييز. وكذلك جاء في المادة /27/ من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية أنه: «لا يجوز في الدول التي توجد فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية أن يحرمَ الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة، أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائرهم، أو استخدام لغتهم بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم».
    ومن جهة أخرى، جاء إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية، والصادر بموجب قرار الجمعية العامة رقم 47/135 تاريخ 18 كانون الأول/ديسمبر 1992، أكثر تفصيلاً في تحديد حقوق الأقليات وضماناتها. ↩
  3. للتوسع في ذلك ينظر:
    ميرفت رشماوي، حقوق الأقليات في القانون الدولي: بعض الإضاءات، ترجمة: فابيولا دينا، منظمة العفو الدولية، المجلة الالكترونية، العدد /19/، 2012.
    حقوق الأقليات، محفوظات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، صحيفة وقائع رقم /18/، (1948-1998). ↩
  4. ينظر: المادة /10/ من دستور 1920، المادة /6/ من دستور 1930، المادة /7/ من دستور 1950، المادة /7/ من دستور 1958، المادة /25/ من دستور 1973، المادة /23/ من دستور 2012.
    مع الإشارة إلى أننا سنتعرض لهذه المسألة بشكل مفصل لدى الحديث عن «المساواة». ↩
  5. أشارت مختلف الدساتير السورية إلى حق الطوائف في ممارسة شعائرها بحرية من حيث المبدأ.
    ينظر: المادة /13/ من دستور 1920، المادة /15/ من دستور 1930، المادة /3/ من دستور 1950، المادة /35/ من دستور 1973، المادة /3/ من دستور 2012. ↩
  6. لم يرد في الدساتير السورية المتعاقبة ما يشير إلى حماية التنوع الثقافي واللغوي للأقليات، باستثناء دستور 1930، في المادة /28/ التي أشارت إلى كفالة حقوق الطوائف الدينية فقط على مستوى التعليم واللغة، ودستور 2012 الذي نص في المادة /9/ على «حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته وتعدد روافده». ↩
  7. سنتحدث عن شرط «الإسلام» لمنصب رئيس الجمهورية في فقرة مستقلة، ولكن كان لابد من الإشارة إلى هذه النقطة في معرض الحديث عن حماية حق الأقليات في المشاركة في الحياة العامة. ↩
  8. أيدت -كقاعدة عامة- /58/ جهة مبدأ «المساواة بين المواطنين» صراحة أو ضمناً، في حين التزمت /4/ جهات الصمت تجاهه. ↩
  9. أيدت /45/ جهة الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية والدينية للأقليات بشكل صريح، في حين قيدت /6/ جهات هذا الأمر بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية، مع سكوت /11/ جهة تجاه هذا الأمر. ↩
  10. كما أشرنا سابقاً، يتطلب تطبيق المعيار ووصوله إلى نتائج يبدو للوهلة الأولى عدم توافقها مع الواقع السياسي للثورة، إجراء حوار فكري مفاهيمي حول هذا المصطلح «حقوق الأقليات» يسبق الحوار السياسي توضح فيه معانيه، وربما تُنحت مصطلحات أو معاني توافق التركيبة السياسية المرادة للحوار الوطني. ↩
  11. جاء في المادة /9/ ما يلي: «يكفل الدستور حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته وتعدد روافده، باعتباره تراثاً وطنياً يعزز الوحدة الوطنية في إطار وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية». ↩
  12. يستشف التأييد الضمني من تأييد هذه القوى لـ«منح الأقليات حقوقهم الثقافية واللغوية في مناطقهم أو بشكل عام» أو «الاعتراف بحقوق الكورد الثقافية والقومية بموجب الدستور والمواثيق الدولية». ↩
  13. أيدت /7/ جهات صراحة أن تكون اللغة الكوردية لغة رسمية إضافية، و/46/ جهة ضمناً. في حين لم تبد /9/ جهات أي موقف تجاه ذلك. ↩
  14. ثمة قوى أشارت إلى حقوق الأقليات الثقافية واللغوية من دون تحديد طائفة أو قومية محددة. ↩
  15. بلغ عدد القوى التي أيدت صراحة منح الأكراد حقوقهم الثقافية والقومية /40/، والتي أشارت ضمناً /13/، فيما وصل عدد الجهات المحايدة /9/ جهة. ↩
  16. لعل هذه النقطة مع بعض النقاط التي لم ترد في الدساتير السورية السابقة، أو وردت بطريقة تتناقض مع أهداف الثورة ومع ما تسعى له القوى محل البحث من تكريس الحرية والكرامة وحفظ حقوق للمواطنين «كنص المادة /8/ من دستور 1973»، تحتاج إلى إيجاد آلية معينة للتعامل معها بعيداً عن المعيار الأكاديمي البحثي الذي تتبعه الدراسة، ولعل ذلك يكون عبر لجنة تجمع مثل هذه النقاط، والتي يمكن تسميتها «المواضيع المستجدة» وتدير حولها نقاش علمي قبل الوصول إلى مرحلة «الحوار المباشر بين المكونات» بحيث يمكن التعامل معها كنقاط توافقية سياسياً لا علمياً. ↩