مبادرة وثيقةالتوافق الوطني
  1. الرئيسية
  2. فهرس الموضوعات
  3. المحور الخامس

المحور الخامس- المبادئ التي تقوم عليها الدولة

تشمل أبرز الخصائص والصفات التي تقوم عليها الدولة، والتي عادة تشمل: التداول السلمي للسلطة، المواطنة، المساواة، سيادة القانون، فصل السلطات، استقلال القضاء، الديمقراطية، مدنية الدولة.

أولاً- التداول السلمي للسلطة

يقصد بتداول السلطة وجود آليات لانتقال المنصب السياسي من شخص أو مجموعة أو حزب إلى آخر. وقد شاع هذا التعبير في الفقه الليبرالي الغربي على أساس النظر إلى التداول السلمي للسلطة باعتباره أحد معايير وجود نظام ديمقراطي على النمط الغربي1.

يستلزم تحقق التداول السلمي للسلطة وجود تعدد حزبي وتنافس سياسي حقيقي وانتخابات دورية حرة ونزيهة ورأي عام قوي وقادر على التأثير ووسائل إعلام تقوم بدور رقابي فاعل في محاسبة القائمين على السلطة2.

على الرغم من أن غالبية الدساتير العربية قد نصت على مبدأ «التداول السلمي للسلطة»3 إلا إن معظم الدول العربية أبعد ما تكون عن ذلك، حيث بقيت الآليات الأخرى «الانقلابات العسكرية- الوفاة- التدخل الخارجي- الثورات الشعبية..إلخ» الوحيدة لانتقال السلطة4.

لم ترد عبارة «التداول السلمي للسلطة» في أي من الدساتير السورية، ويكاد يكون دستور 1950 الوحيد من بين الدساتير السورية الذي تضمن، من الناحية النظرية، مقومات هذا التداول عندما نص على حرية تشكيل الأحزاب5، وحصر الوصول إلى السلطة عبر انتخابات دورية6. وبالتالي لا يمكن اعتبار الدساتير السورية بالمجمل ضامنة لفكرة «التداول السلمي للسلطة».

أما بالنسبة لقوى الثورة والمعارضة، وتماشياً مع أحد الأهداف الأساسية الذي قامت الثورة لأجله، كرّس معظمها في أدبياته صراحة فكرة «التداول السلمي للسلطة»، حيث أيدت غالبية القوى محل البحث هذه الفكرة بشكل صريح أو ضمني7، ولم تبد أي منها معارضة لها، وإن كانت هنالك بعض القوى التي التزمت الصمت تجاهها8.

بناء على ما تقدم، نعتقد أن فكرة «التداول السلمي للسلطة» فكرة توافقية، على الرغم من عدم وجود تواتر دستوري يؤيدها، لأنها تدخل ضمن أحد الأهداف الأساسية التي قامت الثورة لأجلها (التخلص من الاستبداد السياسي، وإعادة السلطة للشعب)، ولوجود سند لها في دستور 1950، فضلاً عن تأييدها من قبل غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث.

ثانياً- المواطنة المتساوية (عدم التمييز على أساس العرق أو اللغة أو الجنس أو الدين)

نعرف المواطنة9 بأنها حالة تجعل الفرد عضواً في دولة، تمنحه حقوقاً وترتب عليه التزامات معينة10، وتعد المساواة في الحقوق والواجبات المترتبة على حيازة صفة المواطنة، أحد أهم مقوماتها11.

تواترت الدساتير السورية ابتداء من دستور 1920 على تأكيد رابطة «المواطنة»12 بين السوريين والتي تساوي بينهم في الحقوق والواجبات أمام القانون13، حيث نصت المادة /7/ من دستور 1950 على أن «المواطنون متساوون أمام القانون في الواجبات والحقوق......»14.

تبنت غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث المواطنة التي تساوي، كقاعدة عامة، بين السوريين في الحقوق والواجبات15، مع وجود جزء بسيط التزم الصمت تجاهها16.

مما تقدم، تعد فكرة «المواطنة المتساوية» فكرة توافقية.

ثالثاً- المساواة

يقصد بالمساواة: تمتع جميع مواطني الدولة بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية ذاتها بموجب القانون دون التميز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو الرأي السياسي أو المستوى الاجتماعي17.

كما بيّنا في فقرة «المواطنة المتساوية»، فقد أكدت الدساتير السورية على أن «المواطنون متساوون أمام القانون في الواجبات والحقوق......»18.

وكذلك الأمر بالنسبة لقوى الثورة والمعارضة محل البحث، فقد أيدت غالبية القوى هذا المبدأ «المساواة»، في حين كان السكوت موقف بعض القوى19.

بناء على ما تقدم، يعد مبدأ المساواة مبدأ توافقياً.

رابعاً- سيادة القانون

يقصد بمبدأ «سيادة القانون» خضوع الحكام والمحكومين للقانون النافذ في الدولة. فلا توجد جهة أو أشخاص فوق القانون، وإنما الجميع تحت سقفه، والهدف تحقيق مبدأ الحماية ضد الأحكام التعسفية في الحالات الفردية20.

نص دستور 1973 على هذا المبدأ لأول مرة، حيث لم يرد ذكره في أي من الدساتير السابقة عليه، وإن كانت هنالك مؤشرات على وجوده واحترامه في الدساتير السابقة، خصوصاً دستور 1950، وذلك من خلال:

  1. النص على ممارسة الحقوق والحريات وفق القانون (سيادة القانون بالنسبة للأشخاص)21.
  2. القسم الدستوري، والذي يتضمن احترام القانون (سيادة القانون بالنسبة للسلطات)22.

أشارت غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث إلى هذا المبدأ في أدبياتها، في حين التزمت أقلية محدودة بالصمت تجاهه23.

بناء على ما تقدم، وعلى الرغم من عدم وجود تواتر دستوري صريح لمبدأ سيادة القانون، إلا أن تبنيه ضمنياً من قبل الدساتير السورية الأولى، خصوصاً دستور 1950، وصراحة من قبل الدساتير الحديثة (1973/2012)، وتأييده من غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث، فضلاً عن توافقه مع أهداف الثورة في تكريس حكم القانون والمؤسسات بعيداً عن الأحكام التعسفية والفردية، يجعلنا نضعه ضمن النقاط التوافقية.

خامساً- العدل

يعد «العدل» من القيم الأساسية التي تقوم عليها الدول، ويقصد به: الإنصاف والقسط وإعطاء كل ذي حقٍ حقه من غير جور أو ظلم، أو إفراط أو تفريط، وهو أيضًا وضع الأمور في مواضعها الصحيحة وتسويتها24.

سكتت غالبية الدساتير السورية عن هذا المبدأ الأساسي باستثناء دستور 1950 الذي جاء في مقدمته: «نحن ممثلي الشعب السوري العربي.... نعلن أننا وضعنا هذا الدستور لتحقيق الأهداف المقدسة التالية: إقامة العدل...»25، ودستور 1953، والذي جاء في مقدمته أيضاً: «ويضمن لنا في مجتمعنا الأمن والعدالة .....».

أما بالنسبة لقوى الثورة والمعارضة، فقد أكدت غالبية القوى السياسية على هذا مبدأ العدل أو العدالة في وثائقها وأدبياتها، باستثناء بعض القوى التي سكتت عنه، على عكس القوى العسكرية والمؤسسات الدينية التي توافقت على تأييده والتأكيد عليه26.

لذا، يعد مبدأ العدل أو العدالة من النقاط التوافقية بين قوى الثورة والمعارضة، لوجود أصل له في دستوري 1950-1953، وتأييده من غالبية هذه القوى، ولعل سكوت غالبية الدساتير السورية السابقة مع بعض القوى السياسية عن تأييد هذا المبدأ يفسر باعتباره مبدأ منطقياً وعقلياً لا حاجة للنص عليه من وجهة نظرها.

سادساً- التعددية السياسية

ثمة تعريفات متعددة لمفهوم «التعددية» تدور جميعها حول «مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية واختلافها داخل المجتمع، وحقها في التعايش والمعارضة والتعبير عن نفسها والمشاركة في التأثير على القرار السياسي، في جو يسوده حرية التعبير والتنظيم، بما يؤدي إلى توفر فرص متساوية -على الأقل نظرياً- أمام الجميع للمشاركة في القرار والوصول إلى السلطة، وفي الوقت ذاته، منع الهيمنة من قبل تيار فكري أو سياسي على المجتمع»27.

كما هو الأمر بالنسبة لفكرة «تداول السلطة»، لم تصرح الدساتير السورية المتعاقبة بمبدأ «التعددية السياسية» باستثناء دستور 2012 الذي جاء فيه: «يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية»، وإن كان دستور 1950 قد سبق الدستور النافذ من الناحية العملية على الرغم من عدم تصريحه بهذا المبدأ، من خلال إتاحته لحرية تشكيل الأحزاب حسب المادة /18/28.

مع ذلك فلابد من الإشارة إلى أن «حرية تشكيل الأحزاب» ليست المظهر الوحيد لفكرة التعددية، التي يفترض أن تتضمن إلى جانب ذلك، كما أسلفنا، إيجاد فرص متساوية أمام الجميع للمشاركة في القرار والوصول إلى السلطة، بما يؤدي إلى منع الهيمنة الفكرية والسياسية من قبل تيار محدد.

أما بالنسبة لقوى الثورة والمعارضة، فقد أيدت الغالبية العظمى مبدأ «التعددية السياسية» خصوصاً من قبل القوى السياسية التي توافقت على هذا المبدأ، مع وجود أقلية محدودة محصورة في القوى العسكرية والهيئات الشرعية التي التزمت الصمت تجاهه29.

بناء على ما تقدم، وكما هو الأمر بالنسبة لفكرة «التداول السلمي للسلطة»، نعتقد أن مبدأ «التعددية السياسية» فكرة توافقية، على الرغم من عدم وجود تواتر دستوري يؤيده، لأنها يدخل ضمن أحد الأهداف الأساسية التي قامت الثورة لأجله (التخلص من الاستبداد السياسي، وإعادة السلطة للشعب)، ولوجود سند ضمني له في دستور 1950، فضلاً عن تأييده من قبل غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث.

سابعاً- الفصل بين السلطات

مبدأ الفصل بين السلطات هو أحد المبادئ الدستورية الأساسية. وقد ارتبط هذا المبدأ باسم الفيلسوف السياسي الفرنسي «مونتيسكيو» الذي كان له الفضل في إبرازه كمبدأ أساسي لتنظيم العلاقة بين السلطات العامة في الدولة وللتخلص من الحكومات المطلقة التي تركز جميع السلطات في يدها. وهذا المبدأ يعني توزيع وظائف الحكم الرئيسية على هيئات ثلاث هي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية حيث تستقل كل منها في مباشرة وظيفتها. فالسلطة التشريعية تشرّع القوانين والسلطة التنفيذية تتولى الحكم والإدارة وتسيير أمور الدولة ضمن حدود تلك القوانين، أما السلطة القضائية فتهدف إلى تحقيق العدل تبعاً للقانون. لكن هذا الفصل لا يعني الفصل التام بين السلطات إنما لا بد من وجود توازن وتعاون بين هذه السلطات واحترام كل سلطة للاختصاصات الوظيفية المنوطة بالسلطة الأخرى ومن الضروري وجود رقابة متبادلة بين السلطات الثلاث بما يحقق حماية لحقوق وحريات الأفراد30.

من الناحية اللغوية، لم يرد في أي من الدساتير السورية المتعاقبة أي تصريح بمبدأ «الفصل بين السلطات». ولكن من ناحية المضمون، كرست جميع الدساتير السورية -على الأقل من الناحية البنيوية- هذا المبدأ؛ إذ تضمنت جميعها فصولاً مستقلة لتنظيم كل سلطة على حدة (التشريعية، التنفيذية، القضائية)، وإن اختلفت فيما بينها في تحديد العلاقة بين هذه السلطات وتنظيمها31.

أيدت غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث مبدأ «الفصل بين السلطات» صراحة أو ضمناً32، في حين لم تبد أقلية محدودة أي موقف تجاه ذلك33.

بناء على ما تقدم، يعد مبدأ «الفصل بين السلطات» مبدأ توافقياً، لتحقيقه شرطي المعيار الذي تبنته الدراسة «تواتر دستوري، وموافقة من غالبية القوى محل البحث».

ثامناً- استقلال القضاء

مبدأ استقلال القضاء يأتي كنتيجة لمبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ سيادة القانون ومن خلاله يتم تحقيق حق المواطن في العدالة. وهذا المبدأ يعني أن تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز، على أساس الوقائع ووفقاً للقانون، ودون أية تقييدات أو تأثيرات وبعيداً عن الضغوطات السياسية وتدخلات السلطات الأخرى وتأثيراتها34.

أكدت غالبية الدساتير السورية المتعاقبة على مبدأ استقلال السلطة القضائية35؛ إذ تكررت عبارة «السلطة القضائية مستقلة» في أهم الدساتير السورية36، في توجه يؤكد أهمية هذا المبدأ وضرورته لإقامة العدالة واستقرار الدولة.

أيدت غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث مبدأ «استقلال القضاء» صراحة أو ضمناً37، في حين كان السكوت موقف الأقلية38.

بذلك، يعد مبدأ «استقلال القضاء» موضوعاً توافقياً بين قوى الثورة والمعارضة محل البحث.

تاسعاً- الديمقراطية

يقصد بها حكم الشعب نفسه بنفسه؛ أي هو السلطة والمرجعية العليا في الدولة. وبعبارة أكثر تفصيلاً هي نظام للحكم يقوم على الحرية والمساواة بين المواطنين بحيث تكون السلطة بيد ممثلي الشعب أو الشعب ذاته39.

على الرغم من أن الدساتير الأولى للكيان الجمهوري السوري (1920-1930) لم تنص على الديمقراطية، إلا أن الدساتير التالية كرست هذا المبدأ بشكل متواتر، حيث دشّن دستور 1950 هذا المبدأ، وعرّف سوريا بأنها: «جمهورية عربية ديمقراطية نيابية ذات سيادة تامة»40.

تماهت مواقف غالبية قوى الثورة والمعارضة مع مبدأ الديمقراطية. حيث توافقت غالبية القوى السياسية على تأييده في خطابها السياسي41، في حين كان موقف القوى العسكرية تجاهه غير مباشر سلباً وإيجاباً42؛ ففي البداية كان الخطاب السياسي للفصائل يتجنب الإشارة للديمقراطية، وبعضها كان يصرح بشكل مباشر برفض الديمقراطية43، غير أنه وفي أواخر عام 2015، صدر البيان الشهير من عدة فصائل عسكرية بتأييد الحل السياسي وفق بيان جنيف 144، والذي نص على مبدأ الديمقراطية، وليتم تأكيد هذا الموقف بالتوقيع على بيان الرياض الذي أشار إلى «آليات الديمقراطية». أما بالنسبة للهيئات الشرعية فقد كان الموقف الغالب لها هو الصمت، في حين تراوح موقف الأقلية بين الرفض الضمني وبين الرفض الصريح45.

وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى أن الجهات المؤيدة ضمناً للديمقراطية، ونقصد هنا الفصائل العسكرية تحديداً، لم تكن موافقتها على «مبدأ الديمقراطية» بقدر موافقتها على «آليات وممارسات الديمقراطية»، بمعنى أن الموافقة كانت فقط على جزء محدد مما يتضمنه المبدأ.

مما تقدم، نجد أن غالبية قوى الثورة والمعارضة أيدت الديمقراطية بشكل مباشر أو غير مباشر، في حين كان موقف عدد محدود من هذه القوى صامتاً أو رافضاً لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة46. وبما أن هذا الموقف يتقاطع مع موقف الدساتير السورية السابقة خصوصاً دستور 1950، يعد مبدأ الديمقراطية أو تعريف سوريا بأنها «دولة ديمقراطية» نقطة توافقية.

لا يؤثر في هذه النتيجة رفض بعض الجهات «الفصائل تحديداً»، بحجة أن موافقتها الضمنية منصبة فقط على «آليات وممارسات الديمقراطية»47، نظراً لأن العدد الإجمالي لهذه الجهات يبقى أقلية مقارنة بالجهات المؤيدة صراحة للديمقراطية. إلا أن ذلك لا يمنع من طرح قضية «آليات الديمقراطية وممارساتها» بحيث أنها تعد نقطة إشكالية48.

عاشراً- مدنية الدولة

الدولة المدنية49 لها عدة معاني بحسب الجهة التي تعرفها، ولكن بالمجمل تحتمل عبارة «الدولة المدنية» أو «مدنية الدولة» عدة معاني، أهمها50:

  1. دولة المواطنة وسيادة القانون التي تُعطى فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية، فلا يكون فيها التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق.
  2. احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية واحترام التعددية والتداول السلمي للسلطة.
  3. أن تكون الشرعية مستمدة من الشعب واختياره، وتخضع الحكومة للمحاسبة من قبل الجماهير أو نوابهم.
  4. الدولة التي تستقل بشؤونها عن هيمنة الكنيسة وتدخلها. فلا تتأسس بخلط الدين بالسياسة. كما أنها لا تعادي الدين أو ترفضه بوصفه عاملاً في بناء الأخلاق وخلق الطاقة للعمل والإنجاز والتقدم. وبالتالي فالجانب المرفوض من الدين هو استخدامه لتحقيق أهداف سياسية. «تتوافق مع مفهوم الدولة العلمانية».
  5. دولة المؤسسات التي لا تخضع لحكم الجيش والعسكر (دولة عسكرية) أو الكنيسة (دولة ثيوقراطية).

باستثناء دستور 1920 الذي صرح في مادته الأولى بأن حكومة سوريا «ملكية مدنية نيابية»، لم يصرح أي دستور من الدساتير السورية بمدنية الدولة، أو أن حكومتها مدنية.

على عكس التوجه الدستوري العام الذي سكت تجاه هذه القضية، أيدت غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث مبدأ «مدنية الدولة»51 أو «الدولة المدنية» بشكل صريح، فيما التزمت الأقلية الصمت تجاهه، ورفضته قوى معدودة صراحة52.

بناء على ما تقدم، يعد مبدأ «الدولة المدنية» أو «مدنية الدولة» نقطة إشكالية لعدم وجود تواتر دستوري يؤيده خصوصاً من دستور 1950، وإن كان يمثل رأي أغلبية القوى محل البحث.

الحواشي

  1. ينظر: د.صفي الدين خربوش، تداول السلطة في الوطن العربي بين التشريعات والتطبيقات، الجزيرة نت، 2004/10/3. ↩
  2. المرجع السابق. ↩
  3. يرد هذا المبدأ عادة في دساتير الجمهوريات العربية كالعراق ومصر وسوريا والجزائر، وفي دساتير الملكيات الدستورية كالأردن والمغرب. أما دساتير الأنظمة الملكية فلا يوجد حديث عن الانتقال السلمي للسلطة، نظراً لأن الأمر يتم عبر التوريث. ↩
  4. حتى لبنان الذي يشار له عادة بأنه نموذج فريد في الوطن العربي بخصوص انتقال السلطة، اقترب في العقود الأخيرة من نموذج «دول الحكومات العسكرية» بعد أن أصبح اختيار رئيس الدولة متأثراً بالعسكر، متجسداً سابقاً بالوجود العسكري السوري (حالة تمديد إلياس الهراوي، وانتخاب إميل لحود) وحالياً بضغط مليشيا حزب الله (ميشال سليمان، ميشال عون). ↩
  5. يعد دستورا «1950/ المادة 18، و1953 المادة 17» الوحيدين من بين جميع الدساتير السورية اللذين نصا على حرية تشكيل الأحزاب عبر إخطار السلطات فحسب، أما بقية الدساتير، إما لم تشر إلى ذلك واكتفت بإتاحة تشكيل الجمعيات، مثل دساتير 1920، 1930، أو أتاحت تشكيل الأحزاب عبر الحصول على ترخيص من السلطة كدستور 2012، أو لم تشر إلى حرية تشكيل الأحزاب ولا حتى الجمعيات كدستور 1973، الذي يعد الأسوأ في هذا المجال. ↩
  6. نظمت جميع الدساتير السورية الانتخابات كوسيلة وحيدة لاختيار السلطة التشريعية.
    ينظر: دستور 1920/ المادة 73 وما بعدها، دستور 1930/ المادة 35 وما بعدها، دستور 1950/ المادة 35 وما بعدها، دستور 1953/ المادة 41 وما بعدها، دستور 1973/ المادة 50 وما بعدها، دستور 2012/ المادة 55 وما بعدها.
    أما بالنسبة لمنصب رئاسة الدولة، فقد كان يتم الانتخاب أو الاستفتاء عبر الشعب مباشرة كما في دساتير 1953، 1973، 2012، أو عبر مجلس النواب كما في دستوري 1930، 1950. ↩
  7. غالبية القوى محل البحث نصت على فكرة «تداول السلطة» صراحة، وبعضها أشار إلى التعددية السياسية وصناديق الاقتراع والانتخاب وحرية تشكيل الأحزاب، في موقف يجعلها أقرب إلى التأييد الضمني للفكرة. ↩
  8. بلغ عدد القوى المؤيدة بشكل صريح لفكرة «التداول السلمي للسلطة» /41/، والمؤيدة ضمنياً /13/، في حين كان /8/ عدد القوى الملتزمة الصمت. ↩
  9. نود الإشارة هنا، إلى أننا أردنا التعامل مع قضية المواطنة كأمر واقع تقوم عليه الدول حالياً بغض النظر عن تاريخ الفكرة وتطورها ومعانيها النظرية. ↩
  10. Citizenship, Cambridge dictionary, Citizenship, Oxford Dictionaries. ↩
  11. مواطنة، ويكيبيديا. ↩
  12. لم ترد كلمة «المواطنين» في دستوري 1920، 1930، وإنما تم التعبير عنهم بكلمة «السوريين». وأول دستور وردت فيه كلمة «المواطنين» هو دستور 1950. ↩
  13. ينظر: المادتان /9-10/ من دستور 1920، المادة /6/ من دستور 1930، المادتان /7-8/ من دستور 1950، المادتان /8-9/ من دستور 1953، المادة /7/ من دستور 1958، المادة /25/ من دستور 1973، المادة /33/ من دستور 2012. ↩
  14. تكررت العبارة ذاتها تقريباً في جميع الدساتير السورية، باستثناء دستوري 1930/ المادة 6 و1958/ المادة 7، والتي جاء فيهما الصياغة ذاتها تقريباً «السوريون لدى القانون سواء وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وما عليهم من الواجبات والتكاليف ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الأصل أو اللغة». ↩
  15. بلغ عدد القوى المؤيدة بشكل صريح للمواطنة المتساوية /49/، يضاف لها /9/ جهات أيدت ذلك بشكل غير مباشر من خلال تصريحها بالمواطنة فقط دون المساواة أو بالهوية السورية الجامعة أو بالمساواة أمام القضاء أو بالمساواة بما هو مشترك أو بتقييد المواطنة والمساواة وفق أحكام الشريعة الإسلامية. ↩
  16. بلغ عدد الجهات التي لم تصرح بشيء تجاه «المواطنة المتساوية» /4/. ↩
  17. المساواة، ويكيبيديا.
    Equality rights, Oxford Dictionaries. ↩
  18. تكررت العبارة ذاتها تقريباً في الدساتير السورية التالية: ينظر: المادة /10/ من دستور 1920، المادة /7/ من دستور 1950، المادة /8/ من دستور 1953، المادة /25/ من دستور 1973، المادة /33/ من دستور 2012. وتغيرت العبارة في دستوري 1930/ المادة 6 و1958/ المادة 7، والتي جاء فيهما الصياغة ذاتها تقريباً «السوريون لدى القانون سواء وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وما عليهم من الواجبات والتكاليف ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الأصل أو اللغة». ↩
  19. أيدت /58/ جهة مبدأ المساواة، في حين التزمت الصمت /4/ جهات. ↩
  20. ينظر: سيادة القانون، ويكيبيديا.
    The rule of law, Cambridge dictionary. ↩
  21. على سبيل المثال: تكررت كلمة «القانون» في الفصل الثاني من دستور 1950 الذي تضمن الحقوق والحريات /31/ مرة. ↩
  22. جاء في دستور 1950 ما يلي:
    «المادة /46/: قبل أن يتولى النواب عملهم يقسم كل واحد منهم علناً أمام المجلس اليمين التالية: «أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً لدستور البلاد مدافعاً عنه وعن استقلال الوطن وحريات الشعب ومصالحه وأمواله وكرامته وأن احترم قوانين البلاد...».
    المادة /75/: قبل أن يمارس رئيس الجمهورية ولايته، يحلف أمام مجلس النواب اليمين التالية: أقسم بالله العلي العظيم أن احترم دستور البلاد وقوانينها....».
    المادة /121/: يقسم رئيس وأعضاء المحكمة العليا أمام مجلس النواب في جلسة خاصة يحضرها رئيس الجمهورية اليمين الآتية:
    «اقسم بالله العظيم أني احترم دستور البلاد وقوانينها..». ↩
  23. بلغ عدد القوى التي صرحت بمبدأ «سيادة القانون» أو بمعاني قريبة منه كحكم القانون وسقف القانون ودولة القانون، /54/ جهة، في حين اقتصر موقف السكوت على /8/ جهات فقط. ↩
  24. ابن منظور، لسان العرب، حرف العين، عدل. ↩
  25. أشار دستور 2012 إلى مبدأ العدالة في مجال العلاقات الدولية في المقدمة التي جاء فيها: «وتَعتَبرُ الجمهورية العربية السورية السلم والأمن الدوليين هدفاً أساسياً وخياراً استراتيجياً تعمل على تحقيقهما في ظل القانون الدولي وقيم الحق والعدالة». ↩
  26. بلغ عدد القوى المؤيدة لمبدأ العدل /54/ جهة، في حين بلغ عدد الجهات الصامتة تجاهه /8/. ↩
  27. ينظر: تعددية (نظرية سياسية)، ويكيبيديا.
    Pluralism, Cambridge dictionary. ↩
  28. جاء فيها: «1- للسوريين حق تأليف احزاب سياسية على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم ديمقراطية.
    2- ينظم القانون طريقة اخبار السلطات الادارية بتأليف الأحزاب ومراقبة مواردها». ↩
  29. أيدت /54/ جهة هذا المبدأ، في حين كان عدد الجهات الصامتة /8/. ↩
  30. فصل السلطات، المنظمة العربية للقانون الدستوري، فصل السلطات، ويكيبيديا. ↩
  31. تبنى دستور 1920 النظام الملكي، لتتحول سورية في ظل الانتداب الفرنسي إلى جمهورية، وتتبنى النظام البرلماني في دستوري 1930-1950، ثم لتتحول إلى النظام الرئاسي في ظل دستور 1953، ثم بقيت استمرت في حالة استثنائية من بعد الانفصال وحتى عام 1973 حيث تبنى الدستور النظام المختلط. ↩
  32. ثمة جهات صرحت بضرورة تبني مبدأ «الفصل بين السلطات»، في حين أن جهات أخرى، لم تصرح بذلك، ولكنها أشارت إلى ضرورة وجود ثلاثة سلطات «تشريعية، تنفيذية، قضائية»، أو إلى مبدأ «استقلال القضاء»، في موقف يجعلها أقرب إلى التأييد الضمني؛ فوجود ثلاثة سلطات يعني ضمناً انفصالها بنيوياً، كما أن التصريح بضرورة «استقلال القضاء» يعني ضمناً وجود سلطات أخرى إلى جانب القضاء. وهذا بمجمله يشير إلى المبدأ محل البحث. ↩
  33. أيدت /47/ جهة مبدأ «الفصل بين السلطات» صراحة و/7/ جهات ضمناً، في حين كان عدد الجهات الصامتة /8/. ↩
  34. استقلال القضاء، المنظمة العربية للقانون الدستوري، استقلال القضاء، ويكيبيديا. ↩
  35. باستثناء دستوري 1920، ودستور 1958. ↩
  36. ينظر: المادة /34/ من دستور 1930، المادة /104/ من دستور 1950، المادة /106/ من دستور 1953، المادة /131/ من دستور 1973، المادة /132/ من دستور 2012. ↩
  37. القوى التي صرحت بمبدأ «الفصل بين السلطات»، مؤيدة ضمناً لمبدأ «استقلال القضاء»، الذي يعد نتيجة طبيعية للأول. ↩
  38. بلغ عدد القوى المؤيدة /54/، في حين بلغ عدد الجهات المحايدة /8/. ↩
  39. Democracy, Cambridge dictionary. ↩
  40. عرفت الدساتير الأساسية المتعاقبة سوريا بأنها: «دولة ديمقراطية».
    ينظر: المادة الأولى في دساتير (1950-1953-1973-2012). ↩
  41. من أصل /32/ جهة سياسية محل البحث، أكدت جهة واحدة فقط على رفض الديمقراطية، وأيدت جهتان هذا المبدأ بشكل غير مباشر. ↩
  42. بلغ عدد الفصائل العسكرية المؤيدة للديمقراطية بصورة مباشرة /2/ وبصورة غير مباشرة /21/، في حين بلغ العدد الرافض بشكل غير مباشر /1/. ↩
  43. ينظر: المادة /15/ من ميثاق الجبهة الإسلامية. ↩
  44. بيان فصائل الثورة السورية بخصوص مجموعات العمل الأربع 2015/8/15. ↩
  45. من أصل /6/ جهات شرعية محل البحث، التزمت /3/ الصمت تجاه الديمقراطية، في حين رفضت /2/ المبدأ بصورة غير مباشرة، وواحدة فقط بصورة مباشرة. ↩
  46. بالمجمل، كان عدد الجهات المؤيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة للديمقراطية هو /54/، في حين كان بلغ عدد الجهات الصامتة /3/، واقتصر عدد الجهات الرافضة على /5/. ↩
  47. بلغ عدد الجهات التي أشارت إلى آليات الديمقراطية وممارساتها /23/ جهة غالبيتها /21/ من الفصائل العسكرية، في حين بلغ عدد الجهات التي أكدت على الديمقراطية بشكل مطلق دون تقييدها بالآليات والممارسات /31/ جهة جميعها من القوى السياسية. ↩
  48. نود الإشارة هنا إلى أننا لم نضع الحد الأدنى المشترك بين الفريقين «آليات الديمقراطية وممارساتها»، ضمن النقاط التوافقية نظراً لمخالفته للمعيار الخاص بهذه الدراسة، والذي يراعي البعد التاريخي والدستوري لأية قضية، إلا أن ذلك لا ينفي أنه يشكل نقطة توافقية بين قوى الثورة والمعارضة حالياً، وإن لم يكن أمراً توافقياً بحسب المعيار الذي وضعناه لهذه الدراسة. ↩
  49. يحمل هذا الوصف معاني متعددة، لن تكون هذه الورقة ميداناً لتقييمها وتفنيدها، بقدر عرضها وإظهار موقف القوى السياسية المختلفة منها، بما يحقق هدف الورقة الأساسي في ذلك.
    كما أن هنالك من يفرق بين مصطلحي «الدولة المدنية» و«مدنية الدولة» وقد بحثنا عن مرجع علمي يفرق بينهما، فلم نجد، وبالتالي فإننا نعتبرهما بمعنى واحد. ↩
  50. ينظر: الدولة المدنية، ويكيبيديا، مركز شامنا للدراسات والأبحاث، تحرير مصطلح الدولة المدنية، ورقة مقدمة إلى الندوة التشاورية الخامسة التي أقامها مركز الحوار السوري، استنبول، 13-15/5/2015، غير منشورة، ص17-19. ↩
  51. إن كانت عبارة «سورية دولة مدنية» قد وردت في أدبيات غالبية القوى السياسية التي صرحت بتأييدها هذا المبدأ، فإن مصطلح «مدنية الدولة» ارتبط بشكل وثيق ببيان الرياض تاريخ 10 كانون الأول/ديسمبر 2015، حيث جاء فيه: «أعرب المجتمعون عن تمسكهم بوحدة الأراضي السورية، وإيمانهم بمدنية الدولة السورية». ↩
  52. أيدت /43/ جهة مبدأ «الدولة المدنية» أو «مدنية الدولة» بشكل مجمل دون تفصيل، إضافة إلى جهتين أيدتا المبدأ مع توضيح المعنى الذي يريدونه من المبدأ. فيما لم تبد /15/ جهة أي موقف تجاه هذه النقطة، وأعلنت جهتان رفضها استخدام المصطلح.
    حيث تبين لنا، ومن خلال استقرائنا لمواقف الجهات الرافضة، أن الرفض ينصب على استخدام المصطلح ذاته أو لبعض المعاني التي يحتملها «العلمانية أو حياد الدولة تجاه الدين»، وليس على المعاني الأخرى التي يحملها «دولة المؤسسات، رفض الحكم الثيوقراطي، رفض الحكم العسكري.. إلخ»، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلحات شبيهة. ↩