المخلص التنفيذي
تأتي هذه الورقة المعدة من مركز الحوار السوري خطوة أولى ضمن مشروع «الحوار الوطني» الذي يرعاه الملتقى التشاوري، والذي يهدف إلى بناء توافق وطني بين القوى الوطنية المؤيدة للثورة.
تهدف الورقة -من خلال اعتماد المنهج الاستقرائي التحليلي ووفق أسس معيارية حيادية- إلى تحديد النقاط التوافقية وتلك الإشكالية بين قوى الثورة والمعارضة محل البحث، من دون أن يكون لفريق البحث أي دور في تحديد النتائج، ودون أن تمثل النتائج المستخلصة وجهة نظره.
قبل وضع معيار للتمييز بين النقاط التوافقية وتلك الإشكالية، طرحت الورقة في مبحثها الأول، العديد من الأسئلة المتعلقة عن الجهة المؤهلة لإقرار بنود «العقد الاجتماعي»؟ ووجود مبادئ عليا تلزم القوى الوطنية بقواعد محددة لا يمكن لها تجاوزها؟ ووجود عوامل ومحددات تؤثر في الوعي الجمعي السوري، تؤثر في تحديد مضمون هذا العقد؟
حيث أكدت الورقة بأن الشعب، تاريخياً وواقعياً، كان الجهة الوحيدة التي تستطيع إسباغ الشرعية على أية وثيقة دستورية «المبادئ الأساسية للدولة»، وبأن فكرة المبادئ العليا الحاكمة على «إرادة الشعب»، والتي تتمثل بـ «سيادة الشريعة، المبادئ فوق الدستورية، مبادئ القانون الطبيعي»، هي نظريات أكاديمية وعلمية يصعب تطبيقها في السياق السوري الحالي وفي ظل وجود الدولة الحديثة التي منحت الشعب غالباً وحصرياً بصورة أو بأخرى الحق في إقرار المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة.
مع ذلك، استنتجت الورقة أنه من الناحية العملية فإنه توجد عدة عوامل تؤثر على إرادة الشعب السوري في وضعه لهذه المبادئ الأساسية، من أهمها: مبادئ الحرية والكرامة وحفظ الحقوق، والتي تمثل الأهداف الكبرى التي قامت الثورة لأجلها، والتخلص من الأمراض التي أفسدت الحياة السياسية في سوريا كطائفية الجيش، وتغول الأجهزة الأمنية في حياة الشعب، إضافة إلى الإسلام والعروبة، وموقع سوريا في المنظومة الدولية والإقليمية.
بعد ذلك، وضعت الورقة معياراً للتمييز بين النقاط التوافقية والإشكالية، ووضعت شرطين لازمين لاعتبار أية نقطة توافقية، وهما: تواترها في الدساتير السورية الأساسية مع وجود أصل لها في دستور 1950 تحديداً1، تأييدها من أغلبية القوى محل البحث. وفي حال انتفاء أحد الشرطين أو كليهما تكون النقطة إشكالية.
بعد هذا الإطار النظري حددت الورقة اثنتان وأربعون قضية سياسية أساسية موزعة على تسعة محاور، اختيرت بناء على استقراء للمواثيق والرؤى السياسية التي طرحتها قوى الثورة والمعارضة، والتي تشكل -من وجهة نظرنا- أبرز المواضيع التي يحتاجها المشروع السياسي للثورة. لتبين بعد ذلك مواقف الجهات والهيئات محل البحث منها.
حيث تبين بعد الاستقراء والتحليل لهذه القضايا والأفكار، وتطبيق المعيار أعلاه عليها، ما يلي:
- من أبرز النقاط التوافقية بين القوى محل البحث: وحدة سوريا أرضاً وشعباً، وأن يكون يترك للشعب الحق في تقرير مصيره، وأن يكون مصدر السلطات، إضافة إلى استقلال القرار الوطني ورفض التبعية والتدخل الخارجي، والاعتراف بالحقوق الدينية وحرية ممارسة الشعائر، ومنح الشريعة الإسلامية دوراً في مجال التشريع، فضلاً عن المواطنة المتساوية والتعددية السياسية وتداول السلطة وضمان الحقوق والحريات الأساسية بما فيها حرية التعبير عن الرأي.
- من أبرز النقاط الإشكالية، والتي تحتاج إلى حوار بين القوى محل البحث: اسم الدولة في سوريا؛ الجمهورية العربية السورية أم الدولة السورية، وتقرير الانتماء للأمة الإسلامية، ومدنية الدولة، إضافة إلى شكل نظام الحكم (رئاسي، برلماني، مختلط، مجلسي)، فضلاً عن جعل اللغة الكردية لغة رسمية، والنص الصريح على تعزيز حقوق المرأة ومساواتها بالرجل -كقاعدة عامة-.
- لعل المواضيع التي لم ترد في الدساتير السورية السابقة «مثل مراعاة الخصوصيات الثقافية والدينية للأقليات أو ضمان حقوق الأكراد الثقافية والقومية.. إلخ»، أو وردت «كنص المادة /8/ من دستور 1973»، بطريقة تتناقض مع أهداف الثورة «مثل قضية تداول السلطة» ومع ما تسعى له القوى محل البحث من تكريس الحرية والكرامة وحفظ حقوق للمواطنين، تحتاج إلى إيجاد آلية معينة للتعامل معها بعيداً عن المعيار الأكاديمي البحثي الذي وضعته الدراسة، ولعل ذلك يكون عبر لجنة تجمع مثل هذه النقاط، والتي يمكن تسميتها «المواضيع المستجدة» وتدير حولها نقاش علمي قبل الوصول إلى مرحلة «الحوار المباشر بين المكونات» بحيث يمكن التعامل معها كنقاط توافقية سياسياً لا علمياً.
إضافة إلى ذلك، وبعيداً عن المعيار الذي وضعته الدراسة، كان هنالك استقراء وتحليل وإحصاء لمواقف القوى محل البحث تجاه تلك القضايا، بعيداً عن موقف الدساتير تجاه هذه الأخيرة. حيث وصلت الدراسة إلى نتائج إحصائية وتحليلية، تتمثل في تحديد رأي غالبية القوى تجاه كل قضية من القضايا السياسية، والنقطة الإشكالية فيها، إضافة إلى الحد الأدنى المتوافق عليه.
وفي ختام هذا الملخص، نعيد التأكيد على أن عمل الفريق العلمي كان معيارياً ومحايداً، وأن النتائج التي توصل إليها لا تعكس بالضرورة تبنيه أو رفضه لها.
مقدمة
مع انطلاق الثورة السورية في مارس/آذار 2011 صدحت حناجر الثوار بشعارات وهتافات بسيطة تدعو إلى «تحقيق الحرية والكرامة لكل المواطنين». بما يعنيه ذلك من المطالبة تعزيز منظومة الحقوق والحريات وتطبيقها، والقضاء على الحكم العسكري الاستبدادي.
على الرغم من بساطة هذه الشعارات وبدهية الالتفاف حولها، سواء بين الجماهير لما تمثله من مثل عليا لأي مجتمع حي وحرّ وواعٍ، أو بين القوى والتيارات السياسية؛ لأنها السبيل لتحرير إرادة المواطن وتحقيق مصلحة الوطن والنهوض به بعد عقود من الاستبداد والهوان. لم تستطع الثورة بحاضنتها أو بنخبها وقواها صياغة خطاب وطني ثوري جامع يجذب باقي فئات الشعب والقوى الوطنية التي وقفت على الحياد أو عادت الثورة.
إلا أن ذلك لا ينفي الجهود الكبيرة المخلصة التي جرت عبر سنين الثورة السابقة، في صياغة العديد من المواثيق والرؤى السياسية، والتي كان لها دور كبير في إنضاج «خطاب الثورة السياسي»، والوصول إلى مراحل متقدمة من التوافق حول الكثير من النقاط المتعلقة بمستقبل سوريا، ولعل بيان الرياض لعام 2015، والمبادئ العامة التي وردت في وثيقة الإطار التنفيذي للعملية السياسية وفق بيان جنيف1، خير دليل على ذلك. حيث أنها حققت قدراً كبيراً من التوافق بين طيف واسع من قوى الثورة والمعارضة2.
مع الأخذ بعين الاعتبار الجهود السابقة، ارتأى الملتقى التشاوري التقدم خطوة جديدة نحو صياغة «خطاب وطني سياسي للثورة» من حيث زيادة النقاط التوافقية بين قوى الثورة والمعارضة، وتوسيع دائرة الأخيرة بما يشمل قوى سياسية وثورية جديدة.
تأتي هذه الورقة لتضع أرضية نظرية تؤصل -بشكل مختصر- لآلية وضع القواعد الأساسية للدولة السورية الجديدة، أو ما أسميناه «مبادئ العقد الاجتماعي»، ثم لتحدد أبرز المواضيع التي تشكل أساساً لأي حوار وطني، والتي لخصناها باثنتين وأربعين نقطة، من أهمها: «قضايا السيادة والانتماء والهوية ومبادئ الدولة وعلاقتها بالدين وشكلها وطريقة إدارتها ... إلخ»، تمهيداً لمعرفة موقف القوى المستهدفة بالدراسة منها. (ينظر: الملحق رقم /1/ الذي يتضمن خارطة القوى المستهدفة بالدراسة).
تعد هذه الورقة خطوة أولى ضمن مشروع «الحوار الوطني» الذي يرعاه الملتقى التشاوري، والتي تهدف -من خلال بحث استقرائي تحليلي علمي حيادي- إلى تحديد النقاط التوافقية وتلك الإشكالية بين قوى الثورة والمعارضة محل البحث، بعيداً عن الانطباعات الشخصية والمواقف السياسية. بما يؤدي إلى تركيز النقاش والحوار الوطني على النقاط الإشكالية فقط، واعتبار التوافقية منها أساساً وطنياً مجمعاً عليه، الأمر الذي يختصر الجهود والوقت، ويوجد أرضية تشاركية بين القوى المتحاورة.
تبرز أهمية هذه الورقة فيما يلي:
- استخدام أدوات البحث والتحليل العلمي تجاه الرؤى والمواثيق السياسية وفق نظرة حيادية تبتعد عن التقييم السلبي أو الإيجابي.
- تمثل دليلاً إرشادياً للجهة المشرفة على الحوار، يسهل عليها التعرف على مواقف الجهات السياسية والقوى الثورية تجاه مفردات المشروع السياسي الوطني.
- تظهر للقوى السياسية والثورية معاني خطابها وصوره التي تنطبع لدى القارئ والمحلل والمتابع، الأمر الذي يجعلها أكثر قدرة مستقبلاً على استخدام المصطلحات والمفردات التي تعبر عن مرادها.
اتبعت الورقة المنهج الوصفي التحليلي مع تركيزها على فكرة «تحليل المضمون»، حيث عملت على تحليل الخطاب السياسي وتوصيفه لكل جهة من الجهات المستهدفة، بما يمهد إلى مقارنته مع مواقف الجهات الأخرى، والخروج بنتائج توصيفية تساعد قدر المستطاع على بيان مدى التوافق بين القوى في كل نقطة من نقاط الحوار الوطني.
قسمنا الورقة إلى مبحثين. خصصنا الأول لوضع أرضية نظرية لأسس بناء التوافق الوطني من خلال تحديد الجهة التي تضع المبادئ الأساسية للدولة، والعوامل والمحددات المؤثرة في صياغة هذه المبادئ، إضافة إلى المعيار الذي اعتمدته الدراسة لتحديد النقاط التوافقية. في حين تضمن الثاني تسعة محاور تنطوي على اثنتين وأربعين موضوعاً يشكلون عمدة الحوار الوطني، أوضحنا فيه مواقف القوى المستهدفة من هذه المواضيع وتطبيق معيار الدراسة، تمهيداً لمعرفة فيما إذا كان كل منها يمثل نقطة إشكالية أم توافقية.
نود الإشارة هنا إلى أن عمل الفريق العلمي في مركز الحوار السوري الذي أعد هذه الورقة، كان معيارياً ومحايداً، وأن النتائج التي توصل إليها لا تعكس بالضرورة تبنيه أو رفضه لها.
نأمل أن يكون مشروع الحوار الوطني بأعماله وأدواته العلمية التأصيلية والعملية (العلاقات والندوات والمؤتمرات) خطوة فريدة تقدم مشروعاً سورياً وطنياً يلبي طموحات الشعب السوري، بعيداً عن التدخلات الخارجية وعن النزعات الحزبية والفصائلية. ليكون -بحق- منطلقاً لمشروع سوريا الجديدة.
المبحث الأول: أسس بناء التوافق الوطني
قبل البدء بالدراسة الاستقرائية التحليلية للوثائق السياسية للقوى والجهات المستهدفة، تمت العودة خطوة إلى الوراء وطرح الأسئلة التالية: إذا كان الهدف من الدراسة هو تحديد النقاط التوافقية والخلافية بين هذه القوى تمهيداً لإدارة حوار حولها بما يوصل إلى توافق بينها يؤسس لعقد اجتماعي3 جديد لسوريا، من هي الجهة المؤهلة لإقرار بنود «العقد الاجتماعي»؟ وهل توجد مبادئ عليا تلزم القوى الوطنية بقواعد محددة لا يمكن لها تجاوزها؟ وهل ثمة عوامل ومحددات تؤثر في الوعي الجمعي السوري، تؤثر في تحديد مضمون هذا العقد؟
من أجل الإجابة على هذه الأسئلة وتأسيس الدراسة على أسس سليمة4، سنناقش في هذه الفقرة المرجعية المعتمدة في إقرار مبادئ العقد الاجتماعي، ثم نستعرض فكرة الاعتماد على وجود مبادئ عليا حاكمة عليه، لننتقل بعدها دراسة العوامل والمحددات المؤثرة على الوعي المجتمعي السوري، والتي قد تلعب دوراً في تحديد مضمون هذا العقد.
ونظراً لأن هدف الدراسة هو الوصول إلى النقاط التوافقية بين القوى والتيارات والجهات المستهدفة، وتمييزها عن تلك النقاط التي ما تزال محل الاختلاف، كان لابد من إيجاد معيار للتوافق تستند له الدراسة لتحقيق هذا الهدف، وهو ما سنختم به هذا المبحث التمهيدي.
أولاً- المرجعية في تحديد قواعد العقد الاجتماعي السوري: الشعب أولاً
الخلاف السياسي والفكري حول قضية المرجعية جلي وواضح، ولا نريد الدخول في ثناياه حتى لا نغرق في مناقشة آراء وحجج لن تحسم هذا الخلاف بقدر ما ستزيد صفحات أخرى ناقشت هذا الأمر5. لذلك سنستقرئ الواقع السوري لنرى هل اعتمدت هذه المرجعية في إقرار قواعد العقد الاجتماعي التي قامت عليها الدولة السورية «الدساتير السورية»؟، وما هو موقف القوى المؤيدة للثورة تحديداً من هذه القضية؟
على الرغم من ندرة الفترات التي عاشت فيها سوريا في ظل جو من الحرية والانتعاش السياسي، والتي تكاد تقتصر على بداية الخمسينيات من القرن الماضي، والتي شهدت إقرار أول دستور بعد الاستقلال عام 1950م، ثمة إجماع على أن الطريقة الشرعية الوحيدة لإقرار الدستور يكون عبر الاستفتاء الشعبي. حتى الأنظمة العسكرية المستبدة التي تعاقب على حكم سوريا كانت حريصة على استخدام هذه الوسيلة لإضفاء الشرعية على الدستور.
يبين الجدول التالي طريقة إقرار الدساتير6 التي تعاقبت على سوريا منذ تأسيسها وحتى تاريخه، والأساليب التي اكتسبت بها الشرعية:
| م | دستور | قرار من السلطة التنفيذية أو من ينوب منابها | مشروع مقدم من لجنة دستورية ثم استفتاء شعبي | إقرار جمعية تأسيسية أو برلمان فقط | إقرار من جمعية تأسيسية ثم استفتاء شعبي |
|---|---|---|---|---|---|
| 1 | 1920 | ✓7 | |||
| 2 | 1930 | ✓8 | |||
| 3 | 19509 | ✓10 | |||
| 4 | 195311 | ✓12 | |||
| 5 | 1958 | ✓13 | |||
| 6 | 1964 | ✓14 | |||
| 7 | 1966 | ✓ | |||
| 8 | 1969 | ✓ | |||
| 9 | 1971 | ✓ | |||
| 10 | 1973 | ✓15 | |||
| 11 | 2012 | ✓ |
من خلال تحليل الجدول السابق الذي يلخص الطرق التي من خلالها تم إقرار الدساتير التي تعاقبت على الدولة السورية، نستنتج الآتي:
- الطريقة الوحيدة الحالية المتبعة تاريخياً في سوريا لإسباغ الشرعية على الوثيقة الدستورية هي إما انتخاب جمعية تأسيسية من قبل الشعب، أو عرضه على الاستفتاء الشعبي. وفي الحالتين يكون الشعب هو المرجعية.
- إذا اعتبرنا أن أكثر طريقة تعطي شرعية للدستور هي الطريقة الرابعة المذكورة في الجدول (جمعية تأسيسية منتخبة ثم عرض على الاستفتاء العام)، فنستنتج أنه لم يقر أي دستور سوري بهذه الطريقة.
- أكثر الدساتير التي مرت على سوريا شرعية هي الدساتير الأولى التالية: (1920-1930-1950)، فهي الوحيدة من بين /11/ دستوراً، أقرت من قبل جمعية تأسيسية منتخبة من قبل الشعب16.
- حرصت الأنظمة العسكرية التي وصلت عبر الانقلاب أو بناء عليه (كما في دساتير 1953-1973-2012) على إسباغ الشرعية الشكلية على هذه الدساتير عبر الاستفتاء الشعبي، كوسيلة لتمريره.
أما بالنسبة للقوى والتيارات المصطفة مع الثورة، فقد أكدت الوثائق السياسية التي تبنتها -خصوصاً في المرحلة الأخيرة (منذ أواخر 2015)- على أن مستقبل سوريا يحدده الشعب السوري، في إشارة واضحة إلى أن مضمون القواعد والرؤى التي تحدد مستقبل سوريا السياسي، لابد وأن تعبر عن تطلعات الشعب السوري، وتأخذ موافقته.
كانت البداية من مشروع البرنامج السياسي للمجلس الوطني17، ثم وثيقة العهد الوطني18، غير أن المرجعية الأساسية التي أكدت على هذا المبدأ هي بيان جنيف119، ومجمل القرارات20 والبيانات الدولية21 التي صدرت تأكيداً له. لتعتمد بعد ذلك مجمل الوثائق السياسية التي تبنتها قوى الثورة والمعارضة السياسية منها والعسكرية، هذه المرجعية كأساس للحل السياسي في سوريا22، وبالتالي تتبنى ما ورد في المرجعية من إعطاء الشعب السوري كامل حقه في تقرير مستقبله.
بذلك يتضح أن ثمة تواتر سواء على مستوى الدساتير السورية أو على مستوى الرؤى والمواقف السياسية لقوى الثورة والمعارضة، على أن يكون الشعب السوري مرجعية في إقرار واعتماد أي عقد اجتماعي جديد يحدد مستقبل سوريا.
ثانياً- المبادئ الحاكمة على بنود العقد الاجتماعي في الحالة السورية
ونقصد بها تلك المبادئ العليا التي لا يصح مخالفتها حتى من الهيئة التأسيسية المنتخبة شعبياً، والتي تصوغ بنود العقد الاجتماعي. فمثلاً إذا اعتبرنا أن الهيئة التأسيسية هي مؤتمر وطني أو برلمان تأسيسي ... إلخ، فلا يجوز لهذه الهيئة مخالفة مبادئ وقواعد محددة، وذلك خلافاً لمبدأ السيادة للشعب، الذي يفترض أن يمنحها سلطة مطلقة في وضع القواعد الناظمة للدولة.
ثمة ثلاثة أسس تؤصل لفكرة المبادئ الحاكمة، وهي: أ- سيادة الشريعة الإسلامية، ب- القانون الطبيعي، ج- المبادئ فوق الدستورية. سنعرّف بكل منها بشكل مختصر، والموقف منها تاريخياً ومن جهة قوى الثورة.
أ- سيادة الشريعة الإسلامية: تفترض روح التشريع الإسلامي أن «السيادة»، بمعنى السلطة المطلقة غير المحدودة لا يملكها أحد من البشر، فكل سلطة إنسانية محدودة بطبعها، والسيادة بمعنى السلطة المطلقة هي للشريعة الإسلامية، فالله عزّ وجلّ وحده صاحب السيادة العليا، وبالتالي لا يمكن للأمة عند قيامها بسن الأنظمة والقوانين أن تشرع ما يخالف الشريعة أو تصادمها لأنه مخالفتها تَعَدٍّ على مانح السلطة وهو الله تعالى23.
ب- مبادئ القانون الطبيعي24: تفترض هذه النظرية وجود قواعد مثالية مطلقة وثابتة وعامة بالنسبة إلى جميع الشعوب، سابقة على القانون الوضعي، تتميز بالموضوعية ويدل عليها العقل السليم والمنطق25، مثل القواعد التي تحمي حقوق الحياة والحرية والتملك واللجوء إلى القضاء... إلخ.
بموجب هذه النظرية تعد مثل هذه الحقوق، حقوقاً طبيعية لا يمكن للمشرع الوضعي أن ينال منها أو يعدلها أو يحرم أحداً منها، كما أنها قواعد عامة تشترك فيها جميع الشعوب والدول.
ج- المبادئ فوق الدستورية: وهي فكرة حديثة نوعاً ما26، ولا يوجد لها تعريف محدد. تقوم فكرتها الرئيسة على وجود مبادئ عليا تتعلق بقضايا أساسية تهم الشعب والدولة تكون قيمتها القانونية أعلى من الدستور، بحيث تلتزم بها الهيئة التأسيسية، ولا يحق لها مخالفتها27.
على الرغم من الاختلاف بين النظريات الثلاث السابقة من حيث التأصيل والمضمون28، إلا أنها تشترك فيما بينها من حيث الأثر، وهو وجود قواعد عليا فوق الدستور، بحيث لا يحق للهيئة التأسيسية، وبالتالي عموم الشعب، مخالفتها أو الخروج عنها.
بنظرة سريعة على مجمل هذه النظريات يمكن لنا القول: بالنسبة لمرجعية الشريعة الإسلامية، وبعد سقوط الخلافة الإسلامية ونشوء الدول القطرية القائمة على مفهوم «المواطنة» و«العقد الاجتماعي» الذي يجعل الشعب مرجعية نهائية لإقرار أي نص يحكمه، لم يعد دستور هذه الدول يستند إلى مرجعية الشريعة «القرآن والسنة» تلقائياً كما كان سابقاً؛ بل أصبحت تحتاج لإقرار الشعب وموافقته التي تُكرس عادة في وثيقة دستورية، إما حائزة على شرعية شعبية، وهذا هو الغالب، عبر صدورها عن جمعية تأسيسية منتخبة أو عبر إقرارها من الشعب، أو نظام أساسي يصدر عن الملك29. وفي كلتا الحالتين لم يعد الإسلام مرجعية بحد ذاته، وإنما حلت مكانه في الدولة الحديثة «العربية والإسلامية» مرجعية الشعب «سيادة الشعب» أو إرادة السلطة الحاكمة كمؤسسة الملك، بصورة فعلية.
وبالتالي فإن الصعوبة الحالية في الاستناد إلى فكرة سيادة الشريعة الإسلامية ليست ناجمة عن مضمونها أو استحالة تطبيقها، وإنما في إيجاد مرجعية أخرى غير الشعب، متفق عليها، تستند لها هذه الفكرة في ضوء المبادئ والأسس التي قامت عليها الدولة الحديثة، والتي من أهمها مبدأ «العقد الاجتماعي» الذي جعل الشعب هو المرجعية في تحديد بنوده.
ولكن قد يقال: ماذا لو أقرت الجمعية التأسيسية مبدأ «سيادة الشريعة الإسلامية»؟ نقول هذا وارد، ولكن إقرار هذه المرجعية -في هذه الحالة- لم يكن بوصفها مبادئ حاكمة على العقد الاجتماعي أو الدستور، وإنما استناداً إلى مبدأ «سيادة الشعب» الذي ارتضى هذه المرجعية وأقرها، وهذا الأمر يختلف كلياً عن الفكرة التي طرحناها ابتداء بخصوص المبادئ العليا الحاكمة على العقد الاجتماعي. بمعنى آخر، إذا أقرت الدولة بأن مرجعيتها الإسلام حتى دون الحاجة إلى نص، ففي هذه الحالة يمكن تصور تطبيق مبدأ «سيادة الشريعة» نظراً لأن المرجعية في إقرارها الله عزّ وجل، وبالتالي يكون الشعب ملزماً بها، ولعل هذه الصورة الأخيرة هي التي كانت سائدة زمن الخلافة الإسلامية.
أما بالنسبة للنظريتين اللاحقتين (القانون الطبيعي، المبادئ فوق الدستورية)، فإنه إضافة إلى صعوبة، بل استحالة، تطبيق هاتين النظريتين عملياً نظراً لعدم وجود جهة مرجعية أعلى من الشعب يمكن العودة لها في إقرارها، يظهر لنا أيضاً عدم وضوح مضمون هاتين النظريتين؛ فما هي المبادئ التي تدخل في كل منهما؟ هذا الأمر سيؤدي إلى الدخول في متاهة البحث عن معايير واضحة، وعن الجهة المسؤولة عن حسم الخلاف فيما إذا حدث؟ وفي حال تم التوافق على جهة، تصبح هي المرجعية والحاكمة، وبالتالي نعود إلى المربع الأول «عدم وجود مبادئ عليا».
في جميع الأحوال، يبقى الخلاف حول تبني أي من هذه النظريات في ضوء الوضع الحالي، فقهياً نظرياً أكثر منه عملياً؛ نظراً لأن غالبية المرجعيات القانونية في الدول الحديثة، إن لم نقل كلها، ومنها سوريا، كرست مرجعية الشعب30، إضافة إلى الصعوبة العملية في الاتفاق الوطني -المتأثر بالسياق الإقليمي والعالمي- على مرجعية بديلة.
لكن هل ترك الأمر للشعب والاعتراف بمرجعيته، يعني حيازته صلاحية مطلقة في إقرار المبادئ والقواعد التي يريدها؟ أم أن هنالك عوامل تؤثر على خياراته، وتلعب دوراً في تحديد المبادئ الحاكمة له؟
ثالثاً- العوامل والمحددات المؤثرة في خيارات الشعب السوري
العقود الاجتماعية للدول لا تبنى من فراغ31، وإنما هي عملية تراكمية لأجيال. تؤثر في صياغتها العديد من القواعد والعوامل التي يُفترض الاتفاق على تأثيرها، وقد يُختلَف على مدى ذلك32.
يعتمد تحديد هذه العوامل والمحددات على تحليل بنية المجتمع السوري، ومعرفة القواعد والقيم التي تحكم سلوكه وعلاقاته، إضافة إلى استقراء واقعه الحالي والتاريخي، وتحديد المشاكل التي عانى منها، خصوصاً على الصعيد السياسي، والتي كانت سبباً مباشراً في قيام الثورة وتحديد مطالبها، إضافة إلى موقع سوريا، كدولة، في النطاقين الإقليمي والدولي.
بناء على ما تقدم، نعتقد أن من أهم العوامل المؤثرة في صياغة العقد الاجتماعي للسوريين ما يلي: المبادئ التي قامت الثورة من أجلها، التخلص من الأمراض التي أفسدت الحياة السياسية السورية، الدين والعروبة، التحرر من التبعية، مراعاة الواقع الإقليمي والدولي.
1- المبادئ التي قامت الثورة من أجلها
بعد عقود من حكم الاستبداد الذي كمم الأفواه وداس على كرامة الناس، كان من الطبيعي أن تكون أولى القيم التي نادت بها الثورة «الحرية»33 و«الكرامة»34، والتي يفترض أن تحظى بمكانة مهمة في العقد الاجتماعي الجديد لسوريا، بحيث يعاد للمواطن حريته المفقودة وكرامته المسلوبة عبر تعزيز منظومة الحقوق والحريات، إضافة إلى المبادئ الضامنة لها كتعزيز مبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء ... إلخ.
وليس المقصود بذلك إعادة صياغة هذه البنود كشعارات كما فعل نظام الأسد، وإنما تهيئة البيئة القانونية والسياسية لإيجاد مؤسسات وقوى فاعلة ترتقي بهذه المبادئ وتفعّلها.
2- التخلص من الأمراض التي أفسدت الحياة السياسية السورية
يأتي على رأسها تحكم الجيش بالسياسة، وتسلط الأجهزة الأمنية وتغولها، وتحكم أقليات دينية أو عرقية بالجيش35، إضافة إلى المشاكل التي برزت عقب الثورة، خصوصاً قضية تفتيت سوريا إلى كيانات طائفية أو عرقية، وقضية المحاصصة الطائفية أو العرقية، وانتشار المليشيات الأجنبية36.
بناء على ذلك، يفترض بالسوريين وضع نصوص وآليات للتخلص من المصائب التي جرت عليهم حكماً عسكرياً طائفياً على مدى خمسة عقود، ومنع إعادة إنتاجه.
3- الإسلام والعروبة
يحتل الإسلام، باعتباره ديناً لغالبية الشعب السوري37، ويتضمن عقيدة وشريعة38، مكانة خاصة لدى المسلمين السوريين، ولعل بعض الباحثين سجلّ ذلك من خلال دراسته لهم واحتكاكه بهم39.
والمتتبع لجميع الدساتير السورية40 (1920، 1950، 1953، 1973، 2012) يلحظ وجود علاقة واضحة بينها وبين الإسلام41.
أما بالنسبة للعروبة، ونقصد بها عروبة اللسان، فإن غالبية الشعب السوري هي من العرب42، ومن الطبيعي جداً أن تكون العربية لغة رسمية للدولة، ويكون هنالك روابط حضارية وثقافية واجتماعية بين الدولة ومحيطها العربي.
يظهر الجدول الآتي أثر العروبة في جميع الدساتير السورية ابتداء من الدستور الأول لعام 1920:
| # | الدستور | النص على «العربية» في اسم الدولة | تعريف الدولة بأنها «عربية» | اللغة العربية لغة رسمية | ملحوظات عامة |
|---|---|---|---|---|---|
| 1 | 1920 | ✓ | ✓ | ||
| 2 | 1930 | ✓ | ✓ | ||
| 3 | 1950 | ✓ | ✓ | ذكرت عبارة «الأمة العربية» 3 مرات، ونص القسم الدستوري لأول مرة على ضرورة السعي لوحدة الأقطار العربية. | |
| 4 | 1953 | ✓ | ✓ | ||
| 5 | 1973 | ✓ | ✓ | ✓ | أكثر الدساتير التي أكدت على العروبة، حيث وردت عبارة «الوطن العربي» 4 مرات و«الأمة العربية» 6 مرات. |
| 6 | 2012 | ✓ | ✓ |
مما تقدم، نلحظ التأثير المتواتر للعروبة والإسلام داخل الدساتير السورية حيث لم يغب هذا التأثير عن أية وثيقة دستورية سورية، وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على عمق هذين العاملين ومدى تأثيرهما في الوجدان السوري43.
4- التحرر من التبعية
ونقصد بذلك التخلص من كل أشكال التبعية الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها الدول المستعمِرة على سوريا44. ونعتقد أن هذا الأمر هدف سام يسعى إليه كل غيور على مصلحة بلده.
وفي هذا الصدد45، يمكن أن نشير إلى ما حدث لدى اعتراض بعض العلماء على صبغة الجلسة الأولى للمؤتمر السوري عام 1919م، حين طالبوا بتضمين البسملة في عريضة المؤتمر، فتدخل النواب «العصريون» من خريجي المعاهد الغربية ليعلنوا: «بأن الأمة تتطلع إلى فجر جديد تتجلى فيه فكرة تأسيس حكومة تتفق وروح العصر، لا دخل فيها للدين، فتبقى الأديان السماوية في حرمتها وقداستها وتسير السياسة في انطلاقها حسبما تقتضيه مصلحة الوطن، أسوة بالأمم الراقية في أوروبا وأمريكا»46.
من خلال ما تقدم، يتضح لنا تأثر بعض النخب بالفكر الغربي وسعيها لإسقاطه على الواقع السوري من دون أية مراعاة لظروفه الخاصة. ولو فكرت هذه النخب بذلك، لتيقنت أن لكل دولة ظروفها وأوضاعها وتاريخها اللاتي يفترض مراعاتها عند صياغة وثيقتها الدستورية.
5- موقع سوريا في النطاقين الإقليمي والدولي
فسوريا ليست جزيرة منعزلة عن العالم، وإنما دولة تنتمي إلى محيطها الإقليمي والدولي، بما يؤثر على صياغة بعض بنود عقدها الاجتماعي. فسوريا عضو في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. وانتماؤها إلى هذه الفضاءات الثلاث كان له أثرٌ واضح سواء في الدساتير السورية المتعاقبة47 أو في وثائق قوى الثورة والمعارضة48، ولعل آخرها ما ورد في الإطار التنفيذي للعملية السياسية وفق بيان جنيف1 الصادر عن الهيئة العليا للمفاوضات في أيلول/سبتمبر 2016، من أن: «سوريا دولة مستقلة ... وتلتزم بالعهود والمواثيق الدولية ومقتضيات عضويتها في الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهيئة الأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة عنها»49.
رابعاً- معيار تحديد النقاط التوافقية والاختلافية المتعلقة بالحوار الوطني
أسلفنا سابقاً أن الهدف من هذه الدراسة هو الوصول إلى النقاط التوافقية بين القوى والتيارات والجهات المستهدفة، وتمييزها عن تلك النقاط التي ما تزال محل اختلاف. لذا كان من المهم وضع معيار تعتمد عليه الدراسة لتثبت النقاط التوافقية بين القوى السياسية، وتخرجها بالتالي من دائرة الحوار باعتبارها نالت توافقاً، وإعادة الحوار حولها سيهدر الجهد والوقت، وتركز على القضايا الخلافية، حتى لا نعيد طرح كل القضايا ونبدأ من الصفر -كما يقال-.
السؤال الآن: كيف نضع هذا المعيار؟ وما هي العوامل التي يفترض مراعاتها أثناء وضعه واختياره؟
بما أن الحوار الوطني سيكون حول أسس لعقد اجتماعي جديد لسوريا، فإنه يفترض مراعاة العوامل التالية في المعيار المنشود، وهي:
- العقود الاجتماعية للدول لا تبنى من فراغ، وليست وليدة اللحظة، وإنما هي نتاج أجيال وتاريخ وأرض وحضارة، ولا ينسحب هذا الأمر على الماضي فحسب، بل على المستقبل، فالأجيال الحاضرة -ونقصد نحن- هي حلقة تربط الأجيال السابقة بتلك اللاحقة التي ستتأثر حتماً بما سيتم التوافق حوله الآن.
- لن يكون المعيار كمياً ولا حسابياً، فبناء الدول والأوطان يحتاج إلى توافق جميع مكوناتها، وهذا الأمر -نقصد التوافق- لا يمكن قياسه أو حسابه كمياً.
بناء على ما تقدم، إذا كانت القضية المثارة معتمدة ومتواترة في الوثائق الدستورية السورية50، خصوصاً إذا كان لها سند في دستور 1950 باعتبار الدستور الأكثر تعبيراً عن «الإرادة الشعبية» في ذلك الوقت، فهنا ننظر:
- إن كانت غالبية القوى الحالية تؤيده، فهذه قضية توافقية حتى ولو اعترضت عليها أقلية معينة51.
- إن كانت غالبية القوى الحالية تناقضها أو ترفضها، فهنا تعد قضية إشكالية، يمكن إعادة طرحها من جديد52.
أما إذا كانت القضية المثارة ليست متواترة في الوثائق الدستورية السورية، وهنالك اضطراب في تبنيها، فهذه تعد قضية إشكالية يمكن لبعض القوى طرحها ومناقشتها من جديد53.
ثمة نقطة بالغة الأهمية، وهي أن الأمور قد لا تكون بهذا الوضوح، خصوصاً تجاه بعض الأمور التفصيلية. في هذه الحالة، نعود إلى المبدأ الأساسي، بعد تجريد القضايا التفصيلية ونطبق عليه المعيار السابق. ومثاله الواضح العلاقة بين التشريع والإسلام، فهنالك اضطراب دستوري في هذه القضية من ناحية مدى الارتباط بين التشريع والإسلام؛ الفقه الإسلامي «مصدر أم مصدر رئيسي» للتشريع. فالاضطراب واقع ليس في المبدأ بحد ذاته وهو «تأثير الشريعة الإسلامية على التشريع»، فهذه «نقطة توافقية»، وإنما في درجة العلاقة والتأثير، والتي يمكن أن تكون نقطة خلافية إذا أثارتها بعض القوى54.
نعتقد أن هذا المعيار ضروري وأساسي لبناء سوريا الدولة الموحدة، وإلا فإن القبول بطرح أية قضية، ولو كانت مسلمة في التاريخ السياسي والدستوري السوري، على النقاش في حال اعترضت عليها أقلية معينة يعني:
- البدء بكتابة عقد اجتماعي جديد من لا شيء وهذا مستحيل، يتنافى مع الواقع ومع السوابق التاريخية، ليس في سوريا فحسب، وإنما في كل الدول المعاصرة.
- استحالة الإجماع، لأنه يمكن لأي فريق مهما كان تأثيره، الاعتراض وإفشال أية قضية يمكن التوافق عليها حتى ولو أيدتها الغالبية العظمى بنسبة 99%.
- الحل البديل سيكون بروز الهويات الطائفية والمحلية والعائلية والقبلية وبالتالي انتهاء سوريا كدولة موحدة.
إضافة إلى هذا المعيار، ومن أجل التفصيل في مواقف الجهات المستهدفة تجاه بنود الحوار ومواضيعه، ارتأينا من باب الاستئناس، وضع القارئ في صورة أكثر تفصيلاً تجاه كل بند من بنود الحوار بحيث نوضح إلى جانب أنه نقطة توافقية أو إشكالية، الحد الأدنى المتوافق عليه، والآراء التي تمثل غالبية القوى وأقليتها.
بعد هذا الفصل النظري الذي استعرضنا فيه أبرز النقاط المتعلقة بإقرار بنود العقد الاجتماعي، والعوامل المؤثرة فيه، ومعيار الدراسة، ننتقل إلى الجانب العملي لهذه الدراسة.
المبحث الثاني: مواقف القوى تجاه مفردات الحوار الوطني
ويتضمن تسعة محاور تتناول أبرز العناوين الكلية المتعلقة بالمشروع السياسي، وهي: السيادة والسلطة، الانتماء واللغة، علاقة الإسلام بالدولة، التعامل مع الأقليات، المبادئ التي تقوم عليها الدولة، الحقوق والحريات، شكل نظام الحكم، شكل إدارة الدولة، المرحلة الانتقالية. وتحت كل عنوان كلي مجموعة من العناوين الفرعية كما سيأتي.
السيادة والسلطة
النقاط المتعلقة بسيادة الدولة واستقلالها ووحدتها ودور الشعب فيها.
الانتماء واللغة
القضايا ذات الصلة بانتماء الدولة والشعب بالشعوب والدول المحيطة، إضافة إلى اللغة.
علاقة الإسلام بالدولة
مكانة الشريعة بالنسبة للتشريع، الإسلام دين الدولة، دين رئيس الدولة الإسلام، إضافة إلى العلمانية.
التعامل مع الأقليات
كيفية معالجة الخطاب السياسي لقوى الثورة والمعارضة قضية الأقليات خصوصاً الأقلية الكوردية.
المبادئ التي تقوم عليها الدولة
التداول السلمي للسلطة، المواطنة، المساواة، سيادة القانون، فصل السلطات، استقلال القضاء، الديمقراطية، مدنية الدولة.
الحقوق والحريات
أبرز القضايا المتعلقة بالحقوق والحريات العامة.
شكل نظام الحكم
رئاسي- برلماني- مختلط- مجلسي.
شكل إدارة الدولة
تقسم الدول إلى بسيطة واتحادية، والأولى يتم إدارتها إما مركزياً أو لامركزياً.
المرحلة الانتقالية
خمس نقاط أساسية متعلقة بأمور الثورة والمرحلة الانتقالية والحل السياسي.
وتضم ملاحق الدراسة خارطة القوى المستهدفة بالدراسة وجداول المواقف.
الحواشي
- السبب في اختيار هذا الدستور دوناً عن بقية الدساتير، هو أنه الدستور الأكثر شرعية من حيث تعبيره عن الإرادة الشعبية، إذ وضعته لجنة تأسيسية منتخبة، في حين أن غالبية الدساتير التي أتت بعده كان يتم إقرارها باستفتاء شكلي بعد أن تعكف لجنة يختارها الحاكم العسكري لكتابته، بحيث يضفي الشرعية على حكمه. ↩
- نود الإشارة هنا إلى العديد من التحفظات الصريحة والضمنية التي سجلتها بعض القوى السياسية والثورية على هذه الوثائق. ↩
- «العقد الاجتماعي» نظرية تفسر نشأة الاجتماع السياسي وبقاءه واستمراره، متخذة من العقد أو الميثاق أو الاتفاق الاجتماعي الذي يقره الناس طواعية فيما بينهم، أساساً للحقوق والواجبات التي تنظم شؤون الحياة المشتركة، وقاعدة للتوفيق بين الإرادة العامة للجماعة والإرادات الفردية أو الجزئية المنضوية تحتها، ووسيلة لإزالة التناقض بين ميول الإنسان الفردية وواجباته الاجتماعية، وأداة تحول دون تصعيد التنافس على المصالح والمراتب إلى الحد الذي يجعل منه صراعاً تناحرياً يهدد الناس في حياتهم وحقوقهم وحرياتهم. ينظر: العقد الاجتماعي، المعرفة.
بناء على ذلك، فما نقصده بالعقد الاجتماعي في هذه الدراسة: هو الأسس التي تقوم عليها الدولة ويكون لها بعد سياسي وقانوني يجعلها بمثابة المبادئ الأساسية التي ترد عادة في صلب الدساتير. ↩ - بما أن الدراسة تهدف إلى إيجاد حلول عملية، كان الرأي، بعد استشارة العديد من الخبراء، بضرورة الابتعاد عن القضايا الإشكالية التي قد تثير الخلاف نتيجة تعدد الآراء العلمية والسياسية، والتي لن نصل فيها إلى رأي موحد على الأقل في المدى القريب. ↩
- نلخص الخلاف في وجهتي نظر: الأولى، ترى أن «الإرادة العامة» بحسب تعبير روسو هي السيدة، وتمثل إرادة الشعب التي تسمو فوق كل الإرادات، وهي صائبة دائماً وتهدف إلى النفع العام، وتملك سلطاناً مطلقاً على جميع أعضائها. والثانية: تمثلها الشريعة الإسلامية التي تقرر أن السيادة أساساً ليست للبشر وإنما «هي خالصة لله، ويجب التقيد بشرعه».
يراجع في وجهة نظر الأولى: جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ترجمة: عادل زعيتر، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 1995، ص47، 64، 66. ويراجع في وجهة نظر الثانية: د.عبد الرزاق السنهوري، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، تحقيق: د.توفيق محمد الشاوي ود.نادية السنهوري، مؤسسة الرسالة ومنشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الرابعة، 2000م، ص68.
وفي السياق ذاته، يمكن الإشارة إلى أنه وضمن الرأي الأول، ثمة من يرى أن إرادة الشعب ليست حرة، وإنما مقيدة بمبادئ القانون الطبيعي التي تعد قواعد مثالية سابقة على القانون الوضعي، ومطلقة ثابتة لا تتغير ولا تزول، وعامة بالنسبة إلى جميع الشعوب. ويجب أن تفرض نفسها وتهيمن على القواعد الوضعية. ينظر: د.هشام القاسم، مدخل إلى علم القانون، جامعة حلب، 2003، ص52. ↩ - نقصد بالدستور هنا المعنى الموضوعي؛ أي الوثيقة الدستورية التي كانت نافذة في كل مرحلة تاريخية من مراحل سوريا سواء أكانت دستوراً أم إعلاناً دستورياً أم دستوراً مؤقتاً أم قانوناً أساسياً. ↩
- أقر الدستور من قبل المؤتمر السوري العام الذي انتخب عن طريق الناخبين الثانويين الذين انتخبوا نوّاب مجلس المبعوثان العثماني في إسطنبول عن ولايتي دمشق وحلب وفق القانون العثماني، أما في سائر مناطق بلاد الشام والمشمولة بولاية الحكومة نظريًا فقد اكتفي بعرائض وقع عليها الأهالي لاختيار الممثلين. وقد نشر هذا الدستور وعمل به بتاريخ 13 يوليو/تموز 1920 ولمدة خمسة عشر يوماً فقط، نظراً لاحتلال دمشق من قبل الفرنسيين بتاريخ 25 يوليو/تموز ونفي الملك فيصل بتاريخ 28 يوليو/تموز. ↩
- أقر دستور 1930 من قبل الجمعية التأسيسية التي انتخبت عام 1928، وأصدره المفوض السامي لحكومة الانتداب عام 1930 مع إضافة المادة /116/. ↩
- طُبق هذا الدستور -مع بعض التعديلات الطارئة عليه- في ثلاثة مراحل: الأولى: 1950-1952، والثانية: 1954-1958، والثالثة: 1961-1963. ↩
- أقر دستور 1950 من قبل الجمعية التأسيسية المنتخبة بتاريخ 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1949، وأصبح نافذاً بتاريخ 5 أيلول/سبتمبر 1950م. ↩
- يطلق عليه عادة اسم «دستور الشيشكلي»، وقد تضمن نصوص دستور 1950 مع توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، ليصبح نظام الحكم في سوريا رئاسياً. ↩
- أعد المجلس العسكري الأعلى مشروع الدستور، وتم الاستفتاء عليه بتاريخ 10 يوليو/تموز 1953م. ↩
- صدر دستور الوحدة لعام 1958 بقرار من جمال عبد الناصر بتاريخ 5 مارس/آذار 1958م. ↩
- ينطبق على دساتير مرحلة البعث الوصف ذاته من ناحية إصدارها من قبل أجهزة حزب البعث ممثلة بمجلس قيادة الثورة العسكري كما في دستور 1964 أو بالقيادة القطرية للحزب كما في دستور 1964 (الصادر بالقرار رقم 2) ودستور 1971 (الصادر عن القيادة القطرية المؤقتة وهو ذات دستور 1969 معدلاً بالمرسوم 1969/141) أو بالمؤتمر القطري للحزب كما في دستور 1969 (الصادر عن المؤتمر القطري الرابع الاستثنائي). ↩
- اتصف دستورا مرحلة حكم آل الأسد (1973-2012) بطريقة الوضع والإقرار ذاتها، حيث يتم تعيين لجنة لوضع الدستور من قبل رئيس الجمهورية، ثم يعرض على الاستفتاء، والذي عادة ما تكون نتيجته مضمونة بالنسبة للسلطة الحاكمة، ليتولى رئيس الجمهورية إصداره بعد ذلك. ↩
- مع الأخذ بعين الاعتبار تفاوت شرعية انتخابات الجمعية التأسيسية في كل حالة من هذه الحالات الثلاث، فمثلاً بالنسبة للمؤتمر السوري العام الذي أقر دستور 1920 شملت انتخاباته ولايتي حلب ودمشق فقط، وكذلك الأمر بالنسبة للجمعية التأسيسية التي وضعت دستور 1930. في حين أن الجمعية التأسيسية التي أقرت دستور 1950 كانت شاملة لكل الإقليم السوري الحالي. وبالتالي، يمكن القول أن هذا الدستور هو أكثر الدساتير السورية المتعاقبة شرعية من ناحية تمثيله لفئات الشعب السوري. ↩
- جاء في المشروع: «سورية الجديدة دولة ديمقراطية مدنية تعددية، نظامها جمهوري برلماني، السيادة فيها للشعب...».
ينظر: البرنامج السياسي للمجلس الوطني السوري، 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2011. ↩ - جاء في الوثيقة: «الشعب هو مصدر الشرعية والسيادة...».
ينظر: البيان الختامي لمؤتمر المعارضة السورية المنعقد تحت رعاية جامعة الدول العربية بالقاهرة 2-3 تموز/يوليو 2012. ↩ - نص بيان جنيف1 على أنه: «يحدد الشعب السوري مستقبله بصورة مستقلة وديمقراطية».
ينظر: بيان جنيف1 الوارد في نهاية قرار مجلس الأمن رقم 2118 (2013). ↩ - ينظر على سبيل المثال: قرارات مجلس الأمن رقم 2118 (2013)، ورقم 2139 (2014)، ورقم 2254 (2015). ↩
- جاء في بيان فيينا1: «سوريا هي التي تملك وتقود هذه العملية السياسية والشعب السوري هو من يحدد مستقبل سوريا».
ينظر: بيان فيينا1، 10 تشرين الأول/أكتوبر 2015. ↩ - ينظر: بيان فصائل الثورة السورية بخصوص مجموعات العمل، 2015/8/15، وثيقة مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية تحت عنوان «خارطة الطريق للحل السياسي التفاوضي من أجل سوريا ديمقراطية»، 24 كانون الثاني/يناير 2015، «خارطة الطريق لإنقاذ سورية» وثيقة المبادئ الأساسية حول التسوية السياسية الموقعة بين الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق، 23 تموز/يوليو 2015، «مسودة» بيان الرياض، 10 كانون الأول/ديسمبر 2015، البيان الختامي لمنتدى موسكو التشاوري «موسكو1» بشأن الأزمة السورية، 30 كانون الثاني/يناير 2016، البيان الختامي لمنتدى موسكو التشاوري «موسكو2»، 10 نيسان/إبريل 2016، الإطار التنفيذي للحل السياسي وفق بيان جنيف (2012)، الهيئة العليا للمفاوضات، أيلول/سبتمبر 2016، بيان من المجلس الوطني الكردي في سوريا حول إعلان وثيقة الإطار التنفيذي في مؤتمر لندن، 10 أيلول/سبتمبر 2016، بيان سياسي: لا حل عسكرياً في سوريا بل الحل الوحيد الممكن هو الحل السياسي المستند إلى جنيف1، هيئة التنسيق الوطنية، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2016. ↩
- ينظر: د.عبد الرزاق السنهوري، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، مرجع سابق، ص68، د.ضو مفتاح غمق، السلطة التشريعية في نظام الحكم الإسلامي والنظم المعاصرة الوضعية «دراسة مقارنة»، منشورات ELGA، 2002، ص34.
نود الإشارة هنا إلى أن الدكتور السنهوري اعتبر سيادة الأمة هي سيادة الشريعة، فجعل سيادة الشريعة بمعنى السلطة المطلقة لله تعالى وسيادة الأمة، بمعنى السلطة المقيدة التي تملك التشريع بما لا يخالف السلطة المطلقة، للشعب (الإجماع) ممثلاً بالعلماء؛ فالأمة هي التي تعبر عن الإرادة الإلهية بإجماعها.
يراجع: فقه الخلافة، مرجع سابق، ص65 وما بعدها. ↩ - تعود هذه النظرية بأصولها إلى اليونان، والمدرسة الرواقية تحديداً، التي كانت تدعو إلى وجود قانون أعلى واحد يحكم العالم، وأعيد طرحها بقوة مع الثورة الفرنسية التي اعتنقت هذه النظرية، وأعلنت وجود حقوق طبيعية للأفراد لا يمكن لأية سلطة المساس بها.
لقد تعرضت هذه النظرية لانتقادات عديدة من جهة عدم انضباطها ومثاليتها وإمكانية سوء استخدامها كما حدث عند هوبز الذي اعترف بالعقل الكلي الموجود -بحسب رأيه- عند الدولة (عقل الدولة). ↩ - ينظر: د.هشام القاسم، مدخل إلى علم القانون، مرجع سابق، ص52، د.غالب علي الداودي، المدخل إلى علم القانون، دار وائل للنشر، الأردن، 2004، ص14. ↩
- النقاش حول فكرة «المبادئ فوق الدستورية» فقهي فلسفي لما يحسم بعد، وقد ظهر لأول مرة في معرض مناقشة القيمة القانونية لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي 1789م، إذ حاول بعض الفقهاء الدستوريين الفرنسيين مثل ديجي أن يجعل له قيمة أعلى من الدستور، في حين ذهب فريق آخر، وهو الغالب، إلى أن لها قيمة مساوية للدستور. ثم تجدد الأمر مع انطلاق ما يعرف بـ«الربيع العربي»، حيث أثيرت هذه القضية في مصر مع التحضيرات التي سبقت كتابة دستور 2012. ↩
- بغض النظر عن مضمون المبادئ فوق الدستورية، دعت عدة قوى سياسية وعسكرية إلى تبنيها، منها: هيئة التنسيق الوطنية، في عهد الكرامة والحقوق الذي أعلنت عنه في 5 أيلول 2011، معتبرة بعض المبادئ المتعلقة بالحريات الأساسية والنظام الجمهوري «غير قابلة للتصرف باسم أية أغلبية انتخابية أو سياسية أو اجتماعية، ولا يجوز حذف أي جزء منها». وفصيل صقور الشام عبر قائده أحمد عيسى الشيخ الذي اشترط في مقابلته مع الجزيرة بتاريخ 2013/6/12، للانخراط في الحياة السياسية ثلاثة شروط منها: أن تكون الشريعة الإسلامية مصدراً وحيداً للتشريع كمبدأ فوق دستوري.
وثمة بعض الكتاب السوريين الذين أيدوا فكرة المبادئ فوق الدستورية في الحالة السورية: ينظر: نادر جبلي، فكرة المبادئ فوق الدستورية، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، تموز/يوليو 2016، ص11 وما بعدها، صادق عبد الرحمن، الدستور وما فوقه في الدولة السورية، الجمهورية، آذار/مارس 2015. ↩ - فمثلاً، تستند نظرية سيادة الشريعة إلى أن الله عزّ وجلّ هو الخالق والمشرع، في حين يقوم أساس نظرية المبادئ الطبيعية إلى وجود قواعد مثالية سابقة في وجودها على المشروع يكتشفها العقل السليم، أما فكرة المبادئ فوق الدستورية، فتفتقد للتأصيل الفلسفي والقانوني، بقدر أنها آلية للمحافظة على القواعد الأساسية للدولة. ↩
- كما هو حال النظام الأساسي للمملكة العربية السعودية الصادر عام 1412هـ - 1992م، والنظام الأساسي لسلطنة عُمان الصادر عام 1417هـ - 1996م. ↩
- المادة /2/ من دستور 1950. ↩
- إذا حللنا عبارة «عقد اجتماعي لسوريا»، نستطيع القول: أن هنالك «عقد» أي قبول ورضى، وواجبات والتزامات. «اجتماعي» أي يناسب المجتمع بمختلف مكوناته وأعراقه وفئاته، «لسوريا» أي يفترض أن تكون هذه القواعد سورية، وتتناسب مع دور هذا البلد الإقليمي والدولي. ↩
- فمثلاً يفترض أن ثمة اتفاق على أن عامل «العروبة» مؤثر على العقد الاجتماعي للسوريين، ولكن إلى أي مدى؟ قد يُختلف في ذلك. ونود الإشارة هنا إلى أننا في هذه الفقرة سنستعرض أبرز العوامل المؤثرة في العقد الاجتماعي من دون الغوص في تفاصيل تأثيرها. ↩
- فكان الشعارات الأولى للثورة: «سوريا بدها حرية، الله... سوريا... حرية وبس». ↩
- «الشعب السوري ما بينذل»، «الموت ولا المذلة». ↩
- ينظر: د.نيقولاس فان دام، الصراع على السلطة في سوريا، الطبعة الإلكترونية الأولى المعتمدة باللغة العربية، 2006، ص37 وما بعدها، د.حنا بطاطو، فلاحو سوريا، ترجمة: عبد الله فاضل، رائد النقشبندي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2014، ص419 وما بعدها، د.بشير زين العابدين، الجيش والسياسة في سوريا، دار الجابية، 2008، ص495 وما بعدها. ↩
- الأمر الذي دعا قوى الثورة إلى وضع هذه المخاطر ضمن الخطوط الحمراء التي تضمنتها وثيقة المبادئ الخمسة التي وقعت عليها، وصدرت برعاية المجلس الإسلامي السوري، وذلك في 18 أيلول/سبتمبر 2015. ↩
- تبلغ نسبة المسلمين السنة بين 76-85% من الشعب السوري، ويكيبيديا. ↩
- يعرف الدين بأنه: «الإيمان بذات أو ذوات علوية جديرة بالطاعة» وتتكون بنية الحد الأدنى لأي دين: من عقيدة وعبادة وقصة كونية (أصل الكون والإنسان ومصيره الخ). في حين تضم بنية الحد الأعلى للدين إضافة إلى بنية الحد الأدنى: نظام تشريعي، نظام أخلاقي، قيم سياسية واجتماعية، الخ.
يعد الإسلام من ديانات الحد الأعلى إذ يضم: عقيدة وعبادة وقصة كونية ونظاماً أخلاقياً واقتصادياً وسياسياً الخ. والإسلام دين محوري، بمعنى أن حياة المسلم تتمركز حول دينه.
ينظر: د.محمد المختار الشنقيطي، الشريعة والحرية، برنامج في العمق، قناة الجزيرة، 2014/7/15. ↩ - يقول حنا بطاطو: «يتقيد فلاحو الغوطة، مثلهم في ذلك كمثل الدمشقيين من الفئات الأكثر تواضعاً، بتعاليم دينهم بانتظام. وفي الحقيقة، بلغ تدين بعضهم في الستينيات حد التردد في قبول الأرض المصادرة بموجب قانون الإصلاح الزراعي خشية من مخالفة التعاليم الإسلامية».
ينظر: فلاحو سوريا، ص42. ↩ - لا يشمل ذلك الحديث عن الإعلانات الدستورية التي غالباً ما تضم مواداً مقتضبة تقتصر على تنظيم السلطات في الدولة (التشريعية، التنفيذية، القضائية)، خصوصاً تلك التي كانت نافذة في مرحلة الانقلابات العسكرية (1949-1954) ومرحلة حكم البعث (1963-1973). ↩
- يعد النص على أن «دين رئيس الدولة الإسلام» ثابتاً وصريحاً في إظهار أثر الإسلام على الدساتير السورية (المادة /1/ من دستور 1920، المادة /3/ من دساتير 1930-1950-1953-1973-2012). إضافة إلى ذلك يعد النص على اعتبار «الفقه الإسلامي مصدراً «رئيساً» للتشريع» نصاً ثابتاً منذ إقرار أول دستور سوري عبر جمعية تأسيسية منتخبة (1950) وحتى آخر دستور نافذ (2012)، بل إن دستور 1950، وهو الدستور الأكثر تمثيلاً للشعب السوري، أكد تمسك الدولة بالإسلام ومثله العليا. ↩
- تبلغ نسبة السكان العرب في سوريا 93%، ويكيبيديا. ↩
- بالنسبة للإسلام، باستثناء دولة لبنان التي لم يتضمن دستورها أية إشارة إلى الإسلام، أشارت جميع دساتير الدول العربية إلى الإسلام سواء باعتباره ديناً للدولة أو رئيسها أو مصدراً للتشريع بدرجة ما.
أما بالنسبة للعروبة، فقد تضمنت جميع الدساتير والوثائق الأساسية العربية بدون استثناء الإشارة إلى العروبة إما من خلال الانتماء للأرض «الجغرافية» أو اللغة والثقافة أو العرق «الأمة العربية» أو الجامعة «جامعة الدول العربية». وفي هذا الصدد «العروبة» يمكن مراجعة:
د.جورج جبور، العروبة ومظاهر الانتماء الأخرى في الدساتير العربية، دار الرها، حلب، الطبعة الثانية، 1993، د.هادية يحياوي، قواسم مشتركة بين الدساتير العربية: الهوية ومبدأ الفصل بين السلطات، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد الثالث، جانفي 2015، ص147 وما بعدها، محمد الرفرافي، العقيدة والهوية في الدساتير العربية: قراءة استطلاعية في البنود الأولى، ميدل إيست أونلاين، 2012/2/12. ↩ - حتى ندرك جوانب التبعية وأدوارها في ربط البلد ومصيره يمكن لنا أن نورد كلام جراهام فولر عن دور القوى الغربية في فرض التبعية على العالم الإسلامي: «سرعان ما شوَّه الحكم الإمبريالي مسيرة التطور الطبيعي للعالم الإسلامي عن طريق إطاحته بالهياكل التقليدية للحكم والزعامة، وتدميره للمؤسسات التقليدية وتخريبه للأنماط الثقافية السائدة في حين فشل في تشجيع بدائل وخيارات للتنمية تستقي روحها من التربة المحلية. فالإمبريالية قد مثلت فرض آليات الثقافة الأجنبية الدخيلة وهياكلها في تطبيقها على بلدان المشرق. على أن هذه الهياكل عادة ما لا ينجح استزراعها في تربة الثقافة والحضارة القائمة. ... ولقد تم تصميم الهياكل الإمبريالية الحاكمة لكي تعبر بشكل أساس عن مصالح المستعمر الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.... لا عن الاحتياجات الهيكلية للتنمية الاقتصادية بمفهومها الشامل للدول الرازحة تحت الاستعمار، أما الحكام الذين تم تنصيبهم في تلك البلدان، فلم يمتلكوا في الواقع أي سلطة مستقلة، وإنما انحصر دورهم في الحفاظ على راهنية الوضع، والوفاء بمصالح المستعمر ومآربه».
ينظر: محمد مبروك، الحداثة والتبعية، مجلة البيان، التقرير الارتيادي الرابع عشر، ص94. ↩ - لعلنا نورد مثالاً آخر يبين تأثر بعض النخب السورية بالحداثة وإسقاطها على سوريا من دون مراعاة واقعها السياسي والاجتماعي والديني والثقافي. فعند مناقشة الجمعية التأسيسية للمادة الثالثة من دستور 1950، أشار نائب دمشق آنذاك السيد إلياس دمر إلى أن النص على «دين الدولة الإسلام» سيسُرّ الغرب «حتى يتمكن من بناء حججه الاستعمارية على هذا الأساس»، وأن النص على «دين رئيس الدولة الإسلام» كما جاء في دستور 1930 «يعد مخالفة لأبسط قواعد الديمقراطية التي سار عليها العالم المتمدن؟». فكان الجواب من الدكتور مصطفى السباعي بأن الذين ينادون بمبدأ «دين الدولة الإسلام» «لم يكونوا يستوحون إلهاماً أجنبياً، وإنما استوحوا إرادة الأكثرية الساحقة من هذا الشعب.... أما الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة... فهي الفكرة التي هبطت من وحي أجنبي».
ينظر: د.جورج جبور، العروبة والإسلام في الدساتير العربية، جروس برس، طرابلس-لبنان، 1995، ص163 وما بعدها. ↩ - ينظر: د.بشير زين العابدين، الجيش والسياسة في سوريا، مرجع سابق، ص32-33. ↩
- مثلاً جاء في مقدمة دستور 1950 «وإننا نعلن أيضاً أن شعبنا عازم على توطيد أواصر التعاون بينه وبين شعوب العالم العربي والإسلامي...». وجاء في مقدمة دستور 1973: «إن هذا الدستور يستند إلى المنطلقات الرئيسية التالية: .... 5- إن حركة الثورة العربية جزء أساسي من حركة التحرر العالمي، ونضال شعبنا العربي جزء من نضال الشعوب المكافحة من أجل حريتها واستقلالها وتقدمها». وفي السياق ذاته نصت مقدمة دستور 2012 على أنه: «وتَعتَبرُ الجمهورية العربية السورية السلم والأمن الدوليين هدفاً أساسياً وخياراً استراتيجياً تعمل على تحقيقهما في ظل القانون الدولي وقيم الحق والعدالة». ↩
- نصت الرؤية السياسية للائتلاف الوطني على أن: «سورية جزء من جامعة الدول العربية، وتعمل على توطيد علاقات الأخوة والتعاون مع الدول العربية ودول الجوار، .... وتحترم سورية المواثيق الدولية، التي تؤسس للعدالة والسلام الدوليين، كما تحترم جميع التزاماتها، التي لا تمس بسيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها».
وجاء في وثيقة العهد الوطني التي أقرها مؤتمر القاهرة للمعارضة بتاريخ 2012/7/3 ما يلي: «سورية هي جزء من الوطن العربي، ترتبط شعوبه بوشائج الثقافة والتاريخ والمصالح والأهداف الكبرى والمصير المشترك. وسوريا عضو مؤسّس في جامعة الدول العربيّة، تتطلّع إلى توثيق مختلف أشكال التعاون والترابط بين البلدان العربيّة. وتربط الشعب السوري بجميع الشعوب الإسلامية الأخرى جذور تاريخية مشتركة وقيم إنسانيّة مبنية على الرسالات السماوية. وسورية جزء من المنظومة العالمية وهي عضو مؤسّس في هيئة الأمم المتحدة والمنظمات المتفرّعة عنها، ولذا فهي ملتزمة بمواثيقها....». ↩ - يفترض انتماء سوريا إلى المحيط العربي-الإسلامي، أن تكون شبيهة بالدول التي تنتمي إلى ذات المحيط ثقافياً واجتماعياً وقانونياً ودستورياً، فكل دولة تتأثر بمحيطها على مختلف الأصعدة. ولعل استقراء واقع الدساتير بين الدول التي تنتمي إلى محيط واحد «الدول الأوروبية، دول شرق آسيا، دول أمريكا اللاتينية..إلخ»، والتشابه فيما بينها من جهة الهوية والانتماء يؤكد هذه الفرضية. ↩
- قد يرى الكثير أن معظم الدساتير السورية باستثناء دستور 1950 لا تحوز شرعية شعبية حتى يتم أخذها بعين الاعتبار، وتعد بمثابة مؤشر على العقد الاجتماعي بين السوريين.
على الرغم من صحة هذا الاعتراض تقنياً، إلا أننا آلينا أخذ الدساتير المتعاقبة كمؤشر ومعيار على الرغم من الطعن في شرعيتها الشعبية لعدة أسباب هي:
1- وجود دستور حائز على شرعية شعبية هو دستور 1950، واعتباره بمثابة الحاكم والمقياس على بقية الدساتير.
2- باستثناء النصوص المتعلقة بشكل نظام الحكم والعلاقة بين سلطات الدولة، نجد تشابه كبير بين غالبية الدساتير السورية، خصوصاً في القسم المتعلق بـ«المبادئ الأساسية للدولة» من حيث تبني، على سبيل المثال، النظام الجمهوري والمواطنة والتعددية السياسية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات .. إلخ. وهي المواضيع التي تعد لب الحوار الوطني.
3- متابعة للنقطة السابقة، لم تكن مشكلة سوريا في عهد الدكتاتورية مشكلة نصوص دستورية، بقدر ما كانت مشكلة تطبيق، والدليل على ذلك، أن نصوص دستور 1973 و2012 المنظمة للحقوق والحريات تتشابه إلى حد كبير مع نصوص دستور 1950، بل ومع دساتير عدد كبير من دول العالم بما فيها تلك التي يضرب المثل باحترامها لحقوق الإنسان، غير أن النظام البعثي كان يسيء تطبيقها أو لنقل لم يطبقها، ليجد الشعب السوري أنه في دولة «لا قانون». ↩ - مثال ذلك قضية دين رئيس الدولة: حيث هنالك تواتر على النص منذ أن أنشئ الكيان الجمهوري وحتى الآن على حصر هذا المنصب بالمسلمين، والغالبية من القوى السياسية الحالية ترى ذلك، ففي هذه الحالة تعد هذه النقطة توافقية حتى ولو كان هنالك فريق من بعض القوى السياسية الحالية يرى حذف هذا التقييد، فلا يمكن الالتفات لرأيه واعتبار هذه القضية إشكالية. ↩
- مثل قضية تقييد عدد ولاية رئيس الدولة، بموجب الدساتير السابقة لا يوجد تقييد لها، ولكن حالياً التيار الغالب في القوى السياسية يرى تقييد الولاية، خصوصاً وأن هذا الأمر يتوافق مع ما ثار الشعب من أجله وهو «التحرر من الاستبداد»، ففي هذه الحالة تعد القضية هنا خلافية، تطرح على الطاولة. ↩
- مثالها الأبرز شكل نظام الحكم (رئاسي أو برلماني)، حتى دستور 1950 كان النظام برلمانياً، ثم تحول إلى نظام رئاسي بموجب دستور 1953 وما يزال. فهذه النقطة ليست محل توافق، ويمكن لأية قوى طرح القضية ومناقشتها، أي أنها تعد قضية خلافية. ↩
- وهذا جواب منطقي على من ينادي بتوصيف سوريا كدولة «علمانية»، حيث أن هذه القضية لم تطرح على الطاولة منذ نشأة الكيان السوري وحتى الآن، بل على العكس كان الحديث عن «تكريس الإسلام وتعزيز دوره في الدولة والتشريع»، وكان الخلاف حتى مع الأقليات المعارضة، على دور الشريعة. ولم يكن في يوم من الأيام على إدراج «وصف العلمانية». يضاف إلى ذلك كله، أن غالبية القوى السياسية الحالية لم تنص على العلمانية في وثائقها السياسية، وبالتالي لا يمكن اعتبار هذه القضية خلافية حتى ولو كانت هنالك بعض القوى تنادي بها؛ لأن السياق التاريخي والواقعي يؤكد عكسها تماماً وهو: «وجود تأثير للشريعة على التشريع». ↩