نتناول في هذا المحور خمس نقاط أساسية متعلقة بأمور الثورة والمرحلة الانتقالية والحل السياسي التي لها تأثير مباشر على مستقبل سوريا. وبالتالي لن يكون هنالك عرض لموقف الدساتير السورية تجاه هذه القضايا؛ لأنها متعلقة بأمور استجدت بعد الثورة، ولا علاقة لها بالتاريخ الدستوري لسوريا –كقاعدة عامة–1.
أولاً- الموقف من الجيش والقوات المسلحة
ونقصد بذلك موقف قوى الثورة والمعارضة محل البحث تجاه مستقبل «جيش النظام» الحالي، من حيث بقاؤه أو تفكيكه وإعادة هيكلته.. إلخ، فضلاً عن دور الجيش في مستقبل سوريا بشكل عام من جهة تدخله بالسياسة أو حياده وعقيدته.
فيما يتعلق بالنقطة الثانية الخاصة بدور الجيش في البلاد ووظيفته، فقد صرحت بعض الدساتير السورية بضرورة انحصار مهمة الجيش، كما هو متعارف عليه، في حماية الوطن وسلامته2.
مع انحياز الجيش إلى النظام المجرم، وتحوله إلى أداة للفتك والقتل بالشعب السوري، رفعت الثورة بمختلف مؤسساتها وتخصصاتها مطلب حل المؤسسة العسكرية وإعادة تشكيلها، لتحول الجيش عن وظيفته الرئيسة في حماية الوطن إلى حماية النظام، الأمر الذي أفقده الشرعية.
تراوح موقف غالبية القوى محل البحث بين المطالبة بحل الجيش والمؤسسة العسكرية وإعادة تشكيلها، وبين إعادة هيكلة الجيش وتأسيسه على أسس وطنية احترافية غير طائفية وإدماج الفصائل في الجيش إضافة إلى حياد الجيش تجاه السياسة، وبين التصريح بضرورة إسقاط النظام بكافة رموزه وأشكاله دون تفصيل، في حين التزمت بعض القوى الصمت3.
بغض النظر عن درجة المطالبة بحل الجيش والقوات المسلحة، إلا أن النتيجة واحدة بين من يطالب بحلها وبين من يطالب بإعادة هيكلتها، من جهة الوصول إلى مؤسسة عسكرية وطنية احترافية غير طائفية لا تتدخل في السياسة.
بناء على ما تقدم، يمكن اعتبار إعادة هيكلة الجيش وتأسيسه على وطنية احترافية غير طائفية وإدماج الفصائل في الجيش وحياد الجيش تجاه السياسة، نقاطاً توافقية لوجود سند لبعضها في دستور 1950، إضافة إلى توافقها مع الأهداف التي خرجت الثورة من أجلها.
ثانياً- الموقف من القوى الأمنية
ونقصد بذلك موقف قوى الثورة والمعارضة محل البحث تجاه مستقبل «الأجهزة الأمنية» الحالية، من حيث بقاؤها أو تفكيكها وإعادة هيكلتها.. إلخ، فضلاً عن دور هذه الأجهزة في مستقبل سوريا بشكل عام من جهة وظيفتها ودورها في الدولة والمجتمع.
كما هو الأمر بالنسبة للموقف من الجيش، شكل مطلب تفكيك الأجهزة الأمنية أحد أهم مطالب الثورة منذ بدايات انطلاقها، نظراً لحجم الإجرام الذي مارسته بحق المواطنين السوريين، ودورها في حرمانهم من حقوقهم وحرياتهم.
لذلك كان موقف غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث أكثر تشدداً تجاه هذه الأجهزة، لتطالب صراحة بضرورة حل هذه الأجهزة وإعادة تشكيلها، فيما كان موقف البعض أقل تشدداً4، حيث طالب بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتأسيسها على أسس وطنية احترافية غير طائفية وإدماج الفصائل في المؤسسة الأمنية، فضلاً عن عدم تدخل الأمن في حياة المواطنين، في حين التزمت بعض القوى الصمت5.
بناء على ما تقدم، تعد قضية حل الأجهزة الأمنية وإعادة بنائها على أسس احترافية وطنية غير طائفية، وإدماج الفصائل فيها، إضافة إلى تحديد وظيفتها بالحفاظ على الأمن العام من دون التدخل والتوغل في حياة المواطنين، نقطة توافقية.
ثالثاً- الموقف من الميليشيات الأجنبية
يقصد بهذه النقطة، التعرف على موقف القوى محل البحث تجاه الميليشيات الأجنبية التي تقاتل في سوريا، ودورها المستقبلي في سوريا، من حيث بقاؤها أو خروجها من البلد، خصوصاً تلك التي تقاتل إلى جانب نظام الأسد6.
تتقاطع هذه النقطة مع فكرة «استقلالية القرار السوري» والتحرر من التبعية، إذ من مستوجبات التحرر من التبعية والمحافظة على استقلال القرار الوطني، عدم الاستقواء بالأجنبي والمرتزقة على أبناء البلد والوطن7.
صرحت غالبية قوى الثورة، صراحة أو ضمناً8، بضرورة خروج كافة القوى الأجنبية بما في ذلك الميليشيات والمجموعات المقاتلة، في حين التزمت بعض الجهات الصمت9.
غير أن مقارنة موقف الجهات المؤيدة ضمنياً والمحايدة من هذه القضية مع موقفها من قضية «استقلال القرار الوطني والتحرر من التبعية»، يظهر تأكيد جميع هذه الجهات على القضية الأخيرة، بما يجعل موقفها أقرب إلى المطالبة على خروج هذه الميليشيات من سوريا؛ لأننا، كما بينا آنفاً، يعد هذا الأمر من موجبات استقلال القرار الوطني.
بناء على ما تقدم، نعتقد أن فكرة «المطالبة بخروج الميليشيات الأجنبية من سوريا» فكرة توافقية، لتأييدها من غالبية القوى محل البحث.
رابعاً- الموقف من الإرهاب
يعد مصطلح «الإرهاب» من أكثر المصطلحات إشكالية في الوقت المعاصر، خصوصاً مع تعدد المعاني والتعريفات التي يقصد بها، ومع عدم وجود توافق دولي حوله، الأمر الذي يجعله خاضعاً للتوظيف السياسي، بحيث تفسّره كل دولة بما يتوافق ومصالحها10.
وكما هو الأمر في كل صراع دولي، يلجأ كل طرف إلى محاولة استخدام الأدوات المتاحة لتحقيق مصالحه. وهذا ما حصل في الصراع الدولي حول سوريا، حيث كانت قضية «الإرهاب» من أكثر القضايا الداخلة في التوظيف السياسي لمختلف الأطراف. حيث حاولت جميع الأطراف توظيف هذه القضية وتفسيرها بما يخدم مصالحها.
لذلك، وبما أن هذا المصطلح كان عرضة للتوظيف السياسي، وكان هنالك اختلاف بين مختلف الأطراف في تفسيره وتعريفه، ارتأينا إدراجه لمعرفة مدى توافق قوى الثورة والمعارضة محل البحث على تعريفه أو على الأقل، على تحديد الجهات التي ينطبق عليها هذا الوصف «الإرهاب».
يحوز هذا الأمر أهمية أساسية؛ لأن الجهات التي ينطبق عليها هذا الوصف يفترض أن تكون محاربة وعدوة للشعب السوري وثورته، وبالتالي خارج أية تسوية سياسية.
اتفقت غالبية القوى محل البحث على وصف النظام وميليشياته الطائفية وقوى الغلو (داعش تحديداً) بـ«الإرهاب»، في حين اكتفت قلة قليلة من هذه القوى إما بتأييد قائمة الأمم المتحدة للإرهاب، أو النص على «إرهاب» الميليشيات الأجنبية والوطنية المؤيدة للنظام فقط، دون الإشارة إلى «إرهاب» (داعش والنصرة)، في الوقت الذي لم تصرح فيه بعض القوى بموقفها تجاه هذه القضية11.
بناء على ما تقدم، يعد موقف غالبية قوى الثورة والمعارضة محل البحث الذي يؤيد توصيف مجمل القوى المعادية للثورة بـ«الإرهاب» نقطة توافقية.
خامساً- مستقبل بشار الأسد
نقصد بهذه القضية معرفة موقف القوى محل البحث من مصير المجرم بشار الأسد في المرحلة الانتقالية ومستقبل سوريا، ودوره فيها.
على الرغم من أن غالبية القوى صرحت بضرورة رحيل المجرم بشار الأسد كشرط لأي تسوية سياسية، وألا يكون له أي دور في مستقبل سوريا ولا حتى في المرحلة الانتقالية، فإن بعض القوى اكتفت بالشعار الأولي للثورة «إسقاط النظام بكافة رموزه وأركانه» دون تفصيل تجاه هذه النقطة، في حين كان موقف بعض الجهات السكوت تجاهها12.
بناء على ما تقدم، تعد فكرة «رحيل بشار الأسد، وألا يكون له أي دور في مستقبل سوريا، بما في ذلك في المرحلة الانتقالية» نقطة توافقية.
قضايا المرحلة الانتقالية في استطلاع الرأي
تناول استطلاع الرأي الذي أُنجز ضمن المرحلة الأولى من المبادرة عدداً من القضايا الأخرى المتعلقة بالمرحلة الانتقالية، وفيه آراء المدنيين والفاعلين والسياسيين حول كل منها:
- طبيعة الحل السياسي للوضع السوري
- طبيعة نظام الحكم في المرحلة الانتقالية
- شكل هيئة الحكم الانتقالي
- المرجعية الدستورية في المرحلة الانتقالية
- المرجعية القانونية والقانون الواجب التطبيق في المرحلة الانتقالية
- الجهات الموثوق بها لإدارة الدولة السورية في المرحلة الانتقالية
- مصير القوى المسلحة السورية غير المتطرفة وغير النظامية
- بنية الجيش الوطني
- وضع الأجهزة الأمنية
من أجل تيسير الوصول إلى النقاط التوافقية والإشكالية، وتلخيصاً للمبحث الثاني (ينظر: الملحقات ذوات الأرقام /2-3-4-5/ التي تتضمن مفردات الحوار الوطني، وتوصيفها من جهة اعتبارها نقاطاً توافقية أو إشكالية).
الحواشي
- لعل القضية الوحيدة التي يمكن أن نجد لها سنداً في بعض الدساتير هي: حياد القوات المسلحة والجيش تجاه السياسة وعدم تدخله بها، وهذا ما يمكن أن نستعرضه في حينه. ↩
- نصت الفقرة /3/ من المادة /30/ من دستور 1950 على ما يلي: «الجيش حارس الوطن وتنحصر مهمته في الدفاع عن حدود الوطن وسلامته»، لتحذف هذه المادة من الدساتير اللاحقة، ثم لينص دستور 2012 على أن: «الجيش والقوات المسلحة مؤسسة وطنية مسؤولة عن الدفاع عن سلامة أرض الوطن وسيادته الإقليمية، وهي في خدمة مصالح الشعب وحماية أهدافه وأمنه الوطني». ↩
- أيدت /27/ جهة الموقف الأول (حل الجيش والمؤسسة العسكرية وإعادة تشكيلها)، و/34/ الموقف الثاني (إعادة هيكلة الجيش وتأسيسه على أسس وطنية..إلخ، والمطالبة بإسقاط النظام بكافة رموزه وأشكاله)، والتزمت جهة واحدة الصمت. ↩
- يدخل ضمن هذا الفريق من طالب بـ«إسقاط النظام بكافة رموزه وأشكاله» من دون تفصيل. ↩
- طالبت /41/ جهة بحل الأجهزة الأمنية، وإعادة تشكيلها، فيما طالبت /17/ جهة بإعادة تشكيلها وتأسيسها على أسس وطنية... إلخ، فيما التزمت /4/ جهات الصمت تجاه ذلك. ↩
- وصل عدد الميليشيات التي تقاتل النظام إلى /78/ ميليشيات وجماعة مسلحة. ينظر: ما هي الميليشيات التي تقاتل على جانب قوات الأسد في سورية؟، الهيئة السورية للإعلام، 21/3/2017. ↩
- يراجع: الفقرة (رابعاً) من المحور الأول. ↩
- يقصد بالتأييد الضمني الدعوة إلى حل الميليشيات خارج القانون أو وصف الميليشيات الإيرانية وغيرها بـ«الإرهابية». ↩
- بلغ عدد الجهات المؤيدة صراحة /57/، والجهات المؤيدة ضمناً /3/، فيما كان عدد الجهات المحايدة /2/. ↩
- للاطلاع على التعاريف الكثيرة والمتعددة لمصطلح الإرهاب يمكن مراجعة: رمزي روحو، الإرهاب السياسي والقانون الجنائي، رسالة ماجستير، جامعة بسكرة، الجزائر، 2014، الفصل الأول «مفهوم الإرهاب». ↩
- أيدت /51/ جهة اعتبار المليشيات الطائفية وقوى الغلو والنظام قوى إرهابية، في حين اكتفت /4/ جهات إما بالإشارة لإرهاب ميليشيات النظام، أو لإرهاب قوى الغلو (داعش والنصرة)، بينما التزمت /7/ الصمت تجاه القضية. ↩
- بلغ عدد القوى التي صرحت برحيل المجرم الأسد /51/، في حين أن القوى التي اكتفت بالشعار العام (إسقاط النظام بكافة رموزه وأركانه) /9/ جهات، بينما كان عدد القوى التي لم تصرح بشيء تجاه هذه القضية /2/ فقط. ↩